تؤثّر الحرب الأهلية في سورية على جيرانها بصورة هائلة لاسيما لبنان.
وتتجلى امتدادات تلك الحرب بصورة واضحة في مدينة طرابلس الشمالية، حيث يتصاعد العنف في الشوارع، وتصل الطائفية إلى مستويات غير مسبوقة، ويزدهر التطرف.
ووفقا لدراسة أعدها مركز كارنيغي الأمريكي، فإن هذا الوضع الذي يتسم بعدم الاستقرار يهدد بالامتداد إلى مناطق أخرى من البلاد.
ومع ذلك فإن مشاكل لبنان تتعلق بالديناميات المحلية بقدر ما تتعلق بالاضطرابات في سورية.
ولذا يتعيّن على صناع القرار اللبنانيين معالجة عدد من القضايا التي طالما تم تجاهلها.
يوفر حزب الله دعما عسكريا فعالا للنظام السوري، ويتمتع بنفوذ فريد في لبنان يؤجج الانقسام بين السنة والشيعة في البلاد.
ومعدلات الفقر مرتفعة في شمال لبنان، وتنقسم طرابلس عموما بين الأحياء الفقيرة والضواحي الغنية.
وأّدى وجود اللاجئين السوريين في شمال لبنان إلى تفاقم التوتّرات الاجتماعية والاقتصادية.
إذ يتنامى شعور عام بالسخط ولاسيما في أوساط السنة.
لقد فشلت الأحزاب السياسية والمؤسّسات الدينية الرسمية، مثل دار الفتوى السنّية، في توجيه مشاعر الاستياء المتنامية.
وغالبية سكان مدينة طرابلس هم من السنّة.
كما أن منطقة باب التبانة السنّية منخرطة في صراع طويل الأمد مع حي جبل محسن العلوي.
يفترض بالجيش اللبناني أن يضمن الأمن والاستقرار في البلاد.
لكن الجيش لم يتمكّن بعد من إخماد القتال.
وتمتلك دار الفتوى القدرة المؤسّسية للمساعدة في مكافحة التطرّف من خلال توفير التعليم الديني المعتمد من الدولة للسنّة المحرومين.
كما ينبغي للدولة دعم جهود المجتمع المدني لتهدئة التوتّر بين الأحياء المتنافسة وتوفير منبر للحوار.
كذلك يجب على الدولة زيادة الاستثمار في التعليم والبنية التحتية المحلية، مع تسريع وتيرة اللامركزية الإدارية لتعزيز قدرة البلديات على معالجة القضايا المحلية.
أيضا يجب أن تبذل قيادة الجيش اللبناني جهدا أكبر لمعالجة مظالم الطائفة السنّية لأن أي خطة أمنية تهدف إلى تهدئة التوتّر في الشمال لن تنجح إلا إذا كانت مصحوبة بخطة لكسب القلوب والعقول.
كما يجب على الحكومة أن تقرّر ما إذا كان ينبغي أن يحتفظ حزب الله بأسلحته أم لا.
وفيما يدخل الصراع في سورية عامه الرابع، فإنه يواصل الامتداد إلى حدود الدول المجاورة ويغيّر الديناميات المحلية مفضيا إلى عواقب كبيرة في بعض الأحيان.
ويقول تقرير مركز كارنيغي إن لبنان تأثر على وجه الخصوص كثيرا بسبب الحرب الأهلية السورية.
فقد أثّر تدفّق اللاجئين السوريين على النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحلّي.
كما أدّى جمود الوضع المستمر في سورية إلى حدوث مزيد من الاستقطاب في الوضع السياسي المحلّي المتوتّر بالفعل في لبنان، والذي يجسده الانقسام بين تحالف قوى 8 آذار، المتعاطفة بصورة أو بأخرى مع النظام السوري، وتحالف قوى 14 آذار، الذي يعارض حكومة دمشق.
ويمكن القول إن طرابلس أصبحت جزءا لا يتجزأ من الصراع السوري.
فقد حصل كل من النظام في دمشق والمتمرّدين على موطئ قدم في المدينة من خلال وكلاء محليين.
يضاف إلى ذلك أن أكثر من عُشر سكان طرابلس الآن هم من اللاجئين السوريين.
وهذه التطورات جعلت طرابلس تستحق لقب «قندهار لبنان»، وهي إشارة إلى مركز تمرّد طالبان في أفغانستان.
ومع ذلك فإن هذه السخرية غير مستحَقَّة.
ففي قندهار كانت النزعة الاجتماعية المحافظة والأيديولوجية الدينية المتطرفة الدافع الأساسي للتطرّف.
ومن هنا فإن عملية التطرّف التي تجري حاليا في المدينة الساحلية في شمال لبنان تبدو أكثر تعقيدا، وبالتالي ينبغي ألّا توصف بأنها مجرّد نتاج للتعصّب الديني.
جذور هذه الظاهرة عميقة، وهي في بعض الأحيان محلية أو وطنية أو إقليمية في أحيان أخرى، حيث يمتدّ نطاق التطرّف إلى ما هو أبعد من أسوار طرابلس ليشمل قطاعات كاملة من المجتمع اللبناني.
تداعيات حرب سورية هل تحول طرابلس إلى قندهار لبنان
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
