لا تستغرب حين تدخل أحد المقاهي الحديثة بالمنطقة الشرقية فتسمع موسيقى هادئة، تنسرب إلى داخل روحك، محدثة اهتزازا في نفسك، أو ترى مجموعة من الشباب يقرؤون الشعر، ويتناقشون فيما بينهم عن أسماء عربية وأجنبية في الطرف الآخر من المكان، فهذه المقاهي لم تعد خاصة للذين يبحثون عن رائحة القهوة العالمية، أو المشروبات الراقية، بل تخطت ذلك لتصبح منتديات ثقافية على مستوى النخبة، ولعل حضورهم أجبر أصحاب المقاهي على التعامل بكامل المحيط بما يخدم هؤلاء المثقفين.
هذا الجو الهادئ المليء برائحة «الكباتشينو والموكا وغيرهما» يجبر إضاءة المكان على الخفوت بألوان ربيعية، وفي المقابل تشتعل الأطروحات والأفكار التي تحيط بالساحة العربية، ويحتدم النقاش، الذي كلما حمي وطيسه أطفأه فنجان قهوة تركية، وأسست هذه الحالة لما أطلق عليه مؤخرا «مقاهي المثقفين»، في كل من الخبر والدمام والقطيف، فهناك قرابة 20 مقهى يقصدها المثقفون باختلاف أعمارهم وأفكارهم، وبعضها ينظم الندوات الشعرية والمعارض التشكيلية.
البداية الاهتمام بالكتاب
«مكة» كانت في أكثر من مقهى، واستطلعت آراء مرتاديها، وقال صاحب مقهى «ثقافات» أحمد القباط، إنه فكر في افتتاح مقهاه، بعدما سافر إلى عدة دول أجنبية، وكان من اهتماماته الشخصية الجانب الفني والثقافي، وعندما يحل في أي بلد يجتهد في البحث عن أماكنه الهامة ثقافيا، ومنها المتاحف والمعارض والآثار، وعادة ما تكون مناطق سياحية جميلة، لكنها كانت تخلو من روح الحياة العادية اليومية لسكان المنطقة.
وأوضح القباط أنه قرر تقييم الموقف في المقاهي السعودية، وتعرف على أجوائها العامة، فلم يجد ما كان يطمح إليه في المنطقة الشرقية، ولكن جمعا من المثقفين حاولوا التعايش مع المقاهي ذات الطابع التجاري البحت، ففكر في مكان يكون متميزا بأجوائه المطلوبة، ويسهم في إثراء المجتمع على المستوى الثقافي والفني، فكانت البداية الاهتمام بالكتاب، وتخصيص مكان في المقهى للأنشطة، وتمت دعوة مجموعة من المثقفين والفنانين للمشاركة في إنجاح هذا المشروع.

مكان لتلاقح الأفكار

الكاتب حسين آل جمعان اعتبر أن المقاهي من المتنفسات التي يلجأ إليها الشباب، خاصة فئة المثقفين منهم، مما يجعلها مكانا خصبا لتلاقح الأفكار وتطورها ونضوجها، وهي تنتقل من شخص إلى آخر، بين متلق للفكرة وناقد لها. ويؤكد آل جمعان أنها تحولت من تقديم المشروبات إلى ملتقيات ثقافية، وهي خطوة متقدمة جدا وحالة رقي يعيشها المجتمع، مع انعدام الأطر التي توفر المناخ للشباب المثقف في طرح ومناقشة الأفكار.

كتب عظيمة خرجت منها

الشاعر أمين العصري أكد لـ»مكة» أن مثل هذه الأجواء هي الوضع الطبيعي في معظم البلدان، لكن غير الطبيعي هو وضعنا هنا، وفي هذا الصدد هيأت بعض الأندية الأدبية مقاهي ثقافية داخل مقراتها، بما يتناسب مع طبيعة المقهى ورواده عامة، مثلما فعل نادي الطائف الأدبي، ويشاركه الرأي الإعلامي علي فايع، الذي يرى أن المقاهي الثقافية يمكن تحويلها إلى ساحات فعلية للحوار، لأن وجودها في هذا الوقت، ضرورة ملحة لتسويق الثقافة و»تسليعها» وتبسيطها أيضا.
ويبين الشاعر عبدالله الهميلي أن الفيلسوف «سارتر» لم يؤلف كتبه العظيمة و روائعه إلا في المقاهي، ومن هنا ندرك أنها المتنفس الجميل للمثقف والأديب، لتميزها بالعفوية والحميمية مع أصدقاء الثقافة، بعيدا عن المظاهر الشكلانية الموجودة في بعض الملتقيات الأدبية.