لا أحد في العالم يحب عقد الاجتماعات والمؤتمرات بقدر العراقيين، فهم مهووسون بهذه العادة ويمارسونها على نطاق واسع حتى أصبحت جزءا من حياتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية. يوميا نسمع عن اجتماع «قمة» يعقد بين القادة والزعماء السياسيين بهدف حلحلة القضايا الشائكة ومعالجة الأزمات والمشكلات التي لا نهاية لها، ولكن من دون جدوى، منذ أكثر من عشر سنوات والقادة الجدد يجتمعون ويتحاورون ويتبادلون الآراء والمقترحات والانتخاب في غرف مغلقة وغير مغلقة، وما إن يبدؤوا بالاجتماع حتى يحددوا لاجتماع آخر ولقاءات أخرى أعمق وأشمل، مع كتابة بيان ختامي يعرضون فيه أهم مقررات الاجتماع والنتائج التي خرجوا بها، في جو أخوي تتخلله سعادة وحبور وضحك متبادل ينم عن اتفاق ومصالحة في الظاهر ولكن في الباطن إخوة أعداء يضمرون الحسد والحقد الدفين لبعضهم، وبمجرد أن يخرجوا من الاجتماع «الودي» المشترك، يبدؤون ثانية بمهاجمة بعضهم بكلمات نابية واتهامات متبادلة بالتخوين والفساد والتبعية، وهكذا هو حالهم منذ أكثر من عشر سنوات، يجتمعون إخوة متصافين ويخرجون منها أعداء متخاصمين. والعجيب أنه إذا ما سألت واحدا منهم عن رأيه بالآخر، وانطباعه الشخصي تجاهه، فلا يتردد في الثناء عليه بكل خير وهو يردد عبارة واحدة حفظها عن ظهر قلب: «ليس لدي أي عداوة شخصية معه، فهو أخ وصديق ولكن أختلف معه في السياسة التي ينتهجها»، قالها المالكي مرارا وتكرارا بحق كل القادة الذين اختلف معهم ودخل معهم في صراع مرير، ونفس العبارة قالها الآخرون بحقه، فإذا كانوا كلهم طيبين ووطنيين وشرفاء يعملون من أجل الوطن وعلاقاتهم الشخصية مع بعضهم لا يشوبها شائبة، فلماذا وصلت العملية السياسية في العراق إلى طريق مسدود ولا يوجد انفراج لها؟ ومن المسؤول عن التدهور المتصاعد للبلاد؟ ومن يتحمل وزر الحرب الطائفية التي اندلعت عامي 2006 و2007 بين الشيعة والسنة؟ فإذا كانوا كلهم طيبين وإخوة، فمن يتحمل وزر ما يحدث من بطش وقتل بحق أهالي محافظة الأنبار؟ ومن يتحمل مسؤولية قطع رواتب الموظفين في إقليم كردستان وإنزال العقاب الجماعي بحق الشعب الكردي لمجرد خلاف سياسي؟ ووفق هذا المنطق السياسي المعوج، فإن اتهام المالكي لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بالإرهاب وإرساله إلى حبل المشنقة لا ينم عن حقد وضغينة شخصية –لا قدر الله- إنما هو اختلاف في الرأي فقط! ومعلوم أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ومن الأكيد لو سألنا الهاشمي عن رأيه في المالكي لأجاب بنفس العبارة الممجوجة، وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس الإقليم مسعود البارزاني، فهو دائم الاتهام للمالكي بـ»الدكتاتورية والقمعية» وأنه يقود العراق خطر يهدد الديمقراطية الناشئة، ومع ذلك يحتضنه ويعتبره «صديقه» على الصعيد الشخصي!
أنا لا أعلم كيف يتم التفريق بين شخص الإنسان وسياسته! ما هذا التناقض الصارخ بين القول والعمل؟ الكل يذكر أن المالكي عندما زار أربيل العاصمة في يونيو من عام 2013 فرش له بارزاني السجادة الحمراء في المطار واستقبله استقبال الأبطال المنصورين على الرغم من إساءاته اليومية ضد إقليم كردستان!
وعلى ضوء هذه العلاقة «المتناقضة» بين هؤلاء القادة، سؤال يطرح نفسه: هل يمكن أن تكون الاجتماعات والمؤتمرات التي تعقد بينهم، مجرد مسرحية لإلهاء العراقيين واللعب بعقولهم؟ وان لم تكن كذلك فلماذا لم ينجح اجتماع في حل مشكلة واحدة قائمة إلى الآن؟ هل يعقل هذا الكم من الاجتماعات التي تمت بين المالكي وإياد علاوي، أو بين المالكي وبارزاني أو أسامة النجيفي، لإنهاء الأزمات التي كانوا هم سبب أساس في إثارتها؟ إنها مئات أو آلاف الاجتماعات ولكن نتائجها على الواقع العراقي المتردي لا شيء!
مجرد ترديد بعض العبارات والشعارات السياسية الفارغة التي كانت الأنظمة السابقة تستعملها لقمع وتضليل العراقيين وإخضاعهم لإرادتها، كالوحدة الوطنية وسيادة الأراضي العراقية والمحافظة على النسيج الوطني وما إلى ذلك من الشعارات التي كان لها الأثر المدمر في ما آلت إليه الأوضاع في العراق، ولكي يكتمل المشهد التمثيلي للاجتماع، يوصي المجتمعون بتشكيل بعض اللجان الفاشلة لمعالجة القضايا العالقة التي لن تعالج أبدا، كما هو حال اليوم، وأخيرا تنتهي الجلسات ببيان ختامي طويل وعريض، يشيد بالمجتمعين وجهودهم الطيبة في توفير الراحة والاستقرار للعراق والعراقيين!