عندما تمشي في شوارع ليفربول وتجد ورقة ملقاة هنا أو هناك، قد تنزلق إلى أن تقول في بالك «هه! لديهم قمامة مثلنا». وعندما تقول لنفسك «حسنا.. القمامة ليست بالكثافة التي نجدها في شوارعنا»،تتأكد أنك قد انزلقت لدرك أبعد.
في مدينة أخرى ساحلية وعتيدة، العاصمة الثانية لموطني: الإسكندرية، كنت أمشي في منطقة رشدي التي تتميز بكونها موطنا للطبقة المتوسطة، وكنت لتوي خارجًا من «زمالك الإسكندرية» التي تعرف باسم كفر عبده، لأفاجأ في طريق أبوقير الرئيسي، الذي يقطع المدينة من أولها لآخرها تقريبا، بتلال عريضة من القمامة في عرض الشارع. لم أكن أحب هذه المنطقة تحديدا من الشارع، التي انتصبت عماراتها بشكل ذكرني بحي المهندسين في القاهرة التي لا أحب شوارعها الرئيسية كثيرا، ولكن فكرة أن ألاقي تلالا من القمامة في شارع رئيس ضخم شبيه به في الإسكندرية، التي ألهمت كاتبا عظيما مثل لورانس داريل رباعيته الساحرة المعنونة باسم المدينة، أو حيث عاش وكتب الشاعر العظيم كفافي درره مثل «في انتظار البرابرة»، فقد شعرت بانزعاج حقيقي، مثلما كدرتني أحوال شوارع شبيهة بطول البلاد وعرضها، رأيتها تنهار في الإهمال واللامبالاة في مدى عمر قصير كعمري، وبالتالي فنجد نفسنا نحن أهل جنوب الكرة الأرضية منزلقين لشعور فارغ بالنصر عندما نرى القمامة ليس فقط في بلدان البحر المتوسط الأوروبية -التي يوجد بيننا وبين الأوروبيين الشماليين شبه تواطؤ أنهم «ليسوا أوروبيين»- بل في بلدان الشمال البعيدة، التي توجت نفسها إما كإمبراطوريات لا تغيب عنها الشمس، أو ذات ماض مليء بالغزوات، أو مستعيرة لبهاء كان متمركزا حول درة إمبراطوريات أوروبا، والدولة التي منحتنا القانون كما نعرفه: الإمبراطورية الرومانية. أوروبا الجنوبية التي انهارت أمام غزوات «البربر»، ويشاء القدير أن يكون هؤلاء «البرابرة» هم حملة مشاعل الحضارة في القرون الثلاثة الأخيرة من عمر البشرية، بينما انهارت في نفس الفترة الزمنية الدول التي كانت هي قمة الحضارة الإنسانية إلى درجة استبعادهم ذهنيا من صورة «الأوروبي الخارق»، القوقازي الأشقر ذي العينين الزرقاوين. سأحكي عن نابولي في يوم آخر، وهي ذات مشكلة القمامة المستعصية التي اتهم بعضهم فيها عصابات المافيا، ولكن في ليفربول، مثلما هو الحال في طول أوروبا وعرضها فقد انقسمت صناديق القمامة لنوعين رئيسين: العضوية وغير العضوية. أحدهما تلقي فيه بالبلاستيك والورق والزجاج وما شابه، وفي الآخر تلقي بفضلات الأطعمة والخضروات وخلافه. في ألمانيا يقسمون القمامة إلى ثلاثة صناديق، والهدف من هذا التخصيص هو تسهيل عملية فرز القمامة لإعادة تدويرها. ضبطت نفسي قبل أن ألقي بسيجارة في الشارع، فلم أكن أعلم إن كانوا يجرمون المسألة مثل إدنبره: دع رجل شرطة يراك تسحق سيجارتك فوق اسفلت الطريق، متجاهلا المنافض الضخمة المنتشرة بطول المدينة وعرضها، ليغرمك 50 جنيها إسترلينيا بالتمام والكمال. لا ينطلق اهتمامي بالمسألة من منطقة اهتمام شكلاني أجوف بمقاييس جمال ونظافة مستعارة، بل إن مسألة القمامة تعبر عن شيء نفتقده بشدة في بلادنا، وهو كيفية استغلال مواردنا حتى النهاية، العقلية التي تعلمت كيف يمكنها صنع كثير من القليل: عندما ترى بريطانيا فوق الخريطة يهالك صغرها، ثم تعرف أنه بالفعل هم لم يملكوا تاريخيا غير بعض من التفاح والصوف وكثير من أكلات البطاطس وكثير جدا من الجو السيئ، ثم تسأل نفسك كيف صنعوا من هذا يومًا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس؟ أو كيف بنى المهاجرون الأوائل كندا مثلا في مناخ قد يصل إلى الخمسة والثلاثين تحت الصفر في يوم عادي من أيام القرن الثامن عشر، بلا تدفئة مركزية أو ملابس ذات ألياف صناعية؟ لا يجب علينا أن نمجد في الإمبراطوريات التي قامت على الاحتلال، أو ننبهر كثيرًا ببلدان نقلت معها تجربة تعدت تجربتنا الحضارية في أرض جديدة، ولكن ما هو أكثر أصالة وجدير بالتفكر هو العقلية التي نظمت استهلاك مواردها القليلة، ولا عزاء لدولنا التي تمتلك كل مورد طبيعي يمكن تخيله، ولكنها تبقى عاجزة عن تحويل هذا إلى ما يفوق ما تمتلك أو حتى موازاته. وحين لا تملك نفسك وتقول لأحدهم إن المدينة نظيفة نسبيا، يتكلم طويلا، كعادة بريطانية أثيرة، في الشكوى من الانهيار الذي أصاب المدينة وكيف كانت في غابر الأيام. قد يقول لي، في النهاية، إن السبب هو في غزو البرابرة الجنوبيين، قبل أن يستدرك بعد ما أحسب فداحة ما فعل ويقول «وكيف الحال عندكم في إسبانيا؟ أنت إسباني.. أليس كذلك؟» ربما أبتسم وأحكي له عن روما، في غابر الأيام!