إذا استعدنا تاريخ الأندية الأدبيّة نجدها مرّت بمراحل متنوعة، فيها تجارب الانتخاب ثم التعيين، وكانت نسب نجاح الأندية التي اعتمدت على الفعل الانتخابيّ كبيرة قياسًا بمجالس التعيين، كانت الجهة المشرفة عليها آنذاك الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ومع إسناد إدارة الأندية إلى وزارة الثقافة والإعلام مرّت الأندية بمراحل أبرزها تشكيل الجمعيّات العموميّة، وما أعقب ذلك من إقرار مبدأ الانتخاب لإدارة مجالسها. كانت خطوة الانتخابات في مجالس الأندية الأدبيّة التي استبشر بها الجميع، وأضحت محل فخر الوزارة، لكنها لم تنجح في إيجاد صيغة ملائمة أثناء عمليّة الانتخابات، فتعددت المشكلات الناتجة عن تلك الصيغة المشوّهة، ولم تفلح في حلّها. عرفنا من الوزارة التقدم خطوة، والتراجع عشرًا، وأنها لم تحظ يومًا باتفاق المثقفين على قراراتها، لكنهم يتعايشون مع تلك القرارات رغبة في الوصول إلى حلول أفضل، ومن ثمّ لا يخفون أمنياتهم أن تتباعد عن الثقافة، حتى يمكن لهم إدارة شؤونهم بأنفسهم.
تبادر الوزارة حاليًا إلى (درس) حلّ مريح يوقف هذه المشكلات، فكان من اللازم أن تعمل على ما هو غير لازم، وذلك بما اقترحته من تعيين نصف الأعضاء، فهم مصدر الراحة والطمأنينة، إنهم قادمون من تشكيل تتزعمه الوزارة وتتبناه. أتخيّل مجلسًا بصفين الأول منتخب والآخر معيّن، يا له من تشكيل! من الذي سيُمنح الإدارة منهما؟ فإن فاق المنتخبون نظراءهم المعينين أضحى المعينون بلا قيمة أمام أنفسهم، وإن فاق المعينون المنتخبين في السلطة فإن الجمعيات ومرشحيهم بلا جدوى، وتبدو هذه خطوة واضحة لاستكمال مسلسل التعيين في المجالس، وإن صحّ هذا سيكون هؤلاء الموظفون غير مدركين أهمية الفعل الثقافيّ الانتخابيّ ودوره في الاختيار أولًا، ومن ثمّ المراقبة ومتابعة البرامج الثقافيّة في الأندية ثانيًا. إن هذا القرار يعني تجاهل الوزارة دور الجمعيّات، وانتهاك احترام المجالس المنتخبة في الحقبة الماضية، ويعني مزيدًا من إجراءات التسلط على المؤسسات الثقافيّة التي كثيرًا ما سمعنا عن اعتباريّتها، كما يعني تدخل الوزارة في كل ما تقوم به الأندية عبر مجالسها المعينة، ولن يرضى المثقّف الحقيقيّ بقرار مثل هذا يلغي منجز جمعيّات عموميّة اجتهدت لتبني منذ سنين، وأجدر بمؤسساتنا الثقافية أن تُجاري الجمعيّات الزراعيّة التعاونيّة وغرف التجارة والصناعة في ممارسة الفعل الانتخابيّ.
أتمنى أن أرى اليوم الذي يقتصر دور وزارة الثقافة والإعلام على إجراء الخطوات اللازمة لاستكمال ما أُنجز، وأن لا يتجاوز الإشراف والدعم، كما أن رفع الوصاية عن الأندية الأدبيّة كفيل بتحقيق النجاح للجميع، ولعل الوزارة تعرف جيدًا أن المثقف واع بما ينبغي عمله، ومدرك لما ينبغي تركه، لكن الفعل الثقافيّ الحرّ هو ما يتطلع إليه المثقف، وإن رغبت الوزارة في تدجين الثقافة، وترسيخ سلطتها، فستحظى بمثقفين لا دور لهم سوى تنفيذ أجندتها داخل المؤسسات الثقافيّة، وسيأتي اليوم الذي يدرك فيه مسؤولوها فشل الخطوة وإخفاقها.