موضة أو موجة كان فيها الحديث عن القيادة هوس المدربين وأهل التربية والتعليم، وساهم الناشرون في إبراز الكتب التي تتحدث عن القيادة وصفات القائد ومهاراته.
والحق أن هذا الزخم كان في بدايته جيداً باعتباره محركاً لرتابة الموجود.
لكن وبسؤال بريء:
ماذا أخرجت تلك الموجة من القيادة؟ هل فعلاً أصبح القائمون عليها قادة في الصلاح والإصلاح؟ أم أن تلك القيادة كانت وذلك القائد كان شيئاً من المبهم الذي كشفت عنه الحياة بطريقتها ليظهر خادماً لأيديولوجيا الحزبية والتنظيمات منطلقاً من مثاليات تاريخية تختلف عن روح العصر ومتطلبات العيش فيه لينتج قيادة الوهم المفخخة بزيف الأنا وكاريزما الذات المتسلطة؟!
ما هكذا يا سعدُ تورد الإبل!! إننا نهتم بالقيادة ونؤمن بدور القائد في صناعة الحياة والارتقاء بالذات، ولكن ليس من منطلق العقل المجرد وحكايات التاريخ. ولكنه القائد المُلهِم والقيادة بمفهوم روحي تبدأ من عمق الإنسان وأساس الحركة فيه مما يعطي له الحق في الحياة والاختيار وينطلق من رؤيته الجمالية للوجود. وليس بتشكيل الرؤية المصنمة له وتوجيهه لعبادتها، مما صنع داخله عالم الضجيج المستمر والنزاع المستمر بين مثالية يطلب تحققها ويتأثم بمخالفتها، وبين واقع لا تستطيع تلك المثالية تحسينه ورؤية الخير فيه.
إننا نرغب في قيادة تذهب إلى ما وراء الضجيج، وإلى أبعد مما ينتجه المنطق المجرد. إلى قيادة الذات من عمق الروح لينتج عن ذلك إنسان متوازن يتحمل مسؤولية قيادة ذاته وإلهامها ثم قيادة الغير وفقاً لأنوار الروح ومعطيات الحياة وأسرار التكوين الإنساني، ذلك أن معايير القيادة الملهمة ليست محفوفة بالغموض والطلاسم! بل هي أنت من حكمة الفطرة السليمة والرؤية المرنة والحياة البسيطة، هي أنت كما هي حقيقتك (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) لتمكنك هذه البساطة والمرونة من الامتنان لكل من يشاركك الحياة من الأشياء والأشخاص حيث ترى الدور المتكامل والنمو المتناغم والمصلحة المشتركة لكل ما يتحرك في الوجود، الأمر الذي يطهر النفس ويقضي على حالات التمييز والتمزيق الذي ينتجه الوهم القيادي.
والحق أن علل القيادة الواهمة قد ظهرت كلوثة في السلوك لدى من يقدمون أنفسهم قادة للعمل الإصلاحي والخيري التطوعي مما جعل حتمية التصحيح والعودة بالقيادة مفهوماً وسلوكاً ضرورة يجب أن يقوم بها المدركون لحقيقة الوعي الإنساني، فكان من أمثلة التصحيح ما قام به الدكتور ستيفن كوفي في كتابه (القيادة المرتكزة على مبادئ) وما قام به الدكتور ديباك شوبرا في كتابه (روح القيادة) وغيرها من الجهود المشكورة.
إلا أننا في حالتنا العربية والخليجية بالذات لا نزال في ركود عن تصحيح مفاهيمنا حول القيادة والإدارة مما يعني تراكم الإنسان المنفصل عن داخله والذي سيبقى لاهثاً وراء متطلبات الأنا الزائفة وضغوط الخارج التائه، مما يعني إشكاليته في كل أدواره التي يقوم بها. أرجو أن يكون لنا خطوة في تصحيح المفهوم وصناعة التغيير بجمال الروح وبساطة الحياة في عالم لا ينقصه التعقيد والضجيج.
القائد.. من المبهَم إلى المُلهِم
محمد الدحيم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
