الذين يعتقدون أن التخصصات النظرية، وفي اللب منها دراسات الفنون والآداب واللغات والدراسات الاجتماعية والتربوية، إضافة إلى الدراسات الدينية، بلا قيمة مدنية وعملية، أو بقيمة تقل عما تمثله التخصصات العلمية العملية كالطب والهندسة أو العلوم الطبيعية وما إليها، يتجاهلون أهمية الوعي بالظواهر الإنسانية للمجتمع والأفراد، وضرورة تعميق درسها، ويجورون على البعد الثقافي الذي تتركز فيه الخاصية الإنسانية للكائن، فيغدو أكثر عمقاً وتعقيداً وتغايراً واستعصاء من الاشتغال علمياً على غيره من الموضوعات. ولا يكفي أن نقول إن الدراسات التي تختص بهذا البعد دراسات مهمة، بل إن أي أهمية يمكن حسابها للعلوم العملية والطبيعية لا يمكن حسابها بمعزل عن أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية وتأثيرها في صوغ الوعي وتأهيل الثقافة المناسبة للنهضة العلمية والثقافية، والعودة عليها بما يعالج التوحش التقني واستحالة العقل فيها إلى أداة فقط، حيث التشيؤ والبرود المادي الذي ينتج عن مسافة التباعد عن الغايات والأهداف، أي مسافة التباعد عن المعنى.
لكن الموقع الذي تتخذه العلوم الإنسانية والاجتماعية في التعليم الجامعي في المملكة، مثلاً، هو موقع لا يؤشر إلى الوعي بالأهمية التي تمثلها تلك العلوم، ولا بالصعوبات التي تنتج عن موضوعها ومنهجها والسياق الذي تعمل فيه. فالطلاب الذين يتم تسجيلهم في هذه التخصصات أقل كفاءة وأدنى تحصيلاً، وأقسامها ليست موضع تنافس في القبول بين الطلاب، واستمرار الطلاب في معظمها هو علاقة اضطرار لا اختيار، ولهذا تبدو أشبه بمنفى لدراسة تخصصية بلا مهارات وبلا رغبة. ومن الطبيعي –ما دام الأمر كذلك- أن يغدو ضعف الطلاب وفقدانهم شهية التعلم والحماس إلى النبوغ عاملاً من العوامل التي تفقد هذه الأقسام العمق والجدية، وأن تتحول هذه الأقسام إلى معبر للحصول على شهادات، لا تلبث أن تغدو عبئاً على حامليها الذين سيكتشفون ما تخبئه في سطورها من ضياع لسنوات دراستهم، لأنها لم تؤهلهم لعمل.
وقد نرى أن المشكلة تعود أكثر ما تعود إلى الإلحاح على استيعاب الجامعات لأكبر عدد من خريجي المرحلة الثانوية، وهي فكرة جرى ما يشبه الحماس لها والدفع إليها في السنوات الماضية، فكانت نسبة المقبولين تصل في بعض السنوات الأخيرة إلى 90%، لكن هذه الفكرة تتأخر في السببية لفائض الأقسام النظرية على العزوف عن المهن اليدوية في مجتمعنا، وعدم التشدد في فرض معايير دقيقة على مهنة التعليم التي أصبحت وجهة لجل الخريجين في تلك الأقسام، ولا يقل عن ذلك استحالة أي شهادة جامعية إلى قيمة في ذاتها، ولذلك فإن الاتجاه فعلياً إلى تقليص انتشار تلك الأقسام وكثرتها في مناطق المملكة، بقفل القبول لمرحلة البكالوريوس في معظمها، لا بد أن يكون ضمن استراتيجية وزارة العمل نحو السعودة والإصلاح لسوق العمل، وضمن خطة وزارة التربية نحو الارتقاء بمستوى المعلمين، وعندئذ يمكن أن نكون في أول الطريق إلى مخرجات نوعية جديدةفي أقسام العلوم الإنسانية الاجتماعية.
موقع العلوم الإنسانية والاجتماعية!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
