ماذا يعني أن تكتب أو أن تشارك في صحيفة تصدر من مكة المكرمة وتحمل اسمها المقدس؟ بالنسبة لي يعني الكثير، ويحمل الرسائل السماوية العظيمة. من حديث الروح، وخواطر النفس وسانح ذكرياتها، ومن أفكار العقل ومركباته المعلوماتية.
إن مكة حكاية المكان وقوة الزمان. العيش في وجدانها عيش خارج حدود الفيزياء. حيث يجتمع في اللحظة ذاتها رسالات السماء وأنبياء الله للأرض، وبيت الله وكعبته. وقلوب تهوي على مدار اللحظة من عالم الـ”هناك” إلى عالم الـ”هنا”.
وجدان يتشكل خارج الإدراك والإحساس في عالم ملكوتي لا محدود ولا معقول. وهكذا يكون جماله.
كل ذلك يجعل الكلمة المكتوبة تسافر عبر الزمن دون وعي من كاتبها، وحتى من قارئها المنسجم. والسؤال: هل سيشكل ذلك مسؤولية خاصة للكلمة المكية؟ أي: هل سيجعل ذلك الكاتب أمام مرآة الروح ومحكمة الضمير وهو يعي صوت مكة وحروف كلمتها ونبض معناها وسر تواصلها وانتقالها؟!
إن الكلمة قوة، أما الكتابة فهي أداة. والتركيز على القوة وتحسن الأداة يجعل المخرجات تتناغم إيقاعاتها في وجدان القارئ والمتلقي.
نحن نكتب بوعي يستحضر أن مكة قلم روحاني يتدفق بمداد الحب والسلام لكل الوجود. مداد جرت في حرفه لغة السماء. مداد يسقي جفاف الحرف الذي صاغ المادة الجامدة، والذي حول الإنسان من حنيفيته السمحة إلى كائن غريب غير منسجم ولا متوازن ولا متناغم مع الحياة.
مداد مكة نوع آخر يقرؤه كل الناس، فهو ليس طائفياً ولا عنصرياً، ولا تُؤقلَم ثقافته ولا تُؤدلَج أهدافه. تماماً هو كما في أول نداء أطلقه الخليل عليه السلام بأمر ربه للناس كل الناس “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ” إن ذلك يقول بوضوح إن مكة ليست ذاكرة دينة فقهية فحسب! وليست مجرد ذاكرة تاريخية سياسية أو اجتماعية معينة، إنها أكبر من ذلك؛ فهي حقيقة مكانية للعلاقة العظمى بين الله والإنسان.
في عالمنا اليوم حيث تنقل الصورة الحية مكة المكرمة على مدار الساعة نتساءل: ما هو الوعي الذي ينتظره العالم من مكة؟
هذا التساؤل يأتي أولاً، قبل أن نقول: ما هو الوعي الذي سوف ننقله للعالم؟ بمعنى فلسفي: لا تكفي رؤيتنا للعالم عن فهم رؤية العالم لنا. هذه الفلسفة التي طالما تجاهلناها ودفعنا ضرائب هذا التجاهل، مما أهدر جهوداً وأضاع أوقاتاً وأموالاً!
لابد أن تكون هناك جهود ضخمة في حقيقيتها تنتقل من مكة إلى العالم تتجاوز كل المفاهيم العائقة والعالقة، إلى المفاهيم الكلية والمشتركة والكونية التي هي حتمية عصر الحكمة الذي تبشر به إرهاصات عصر المعلوماتية والتواصلية.
إن لدي ثقة روحانية بأن الوعي المكي سيحقق صداه في كل الأرض كلما تجلى استعدادنا النفسي والعقلي والمادي، بثقة ربانية متألقة بشغف الحب والسلام.
إن الوعي من مكة لا تتحدد رؤيته، وتتشكل استراتيجيته من مقال! ولكن عل المقال أن يكون موقظاً لفكرة أو حلم يتحقق. هذا ما أرجوه وأستنبئ بحصوله.
بقي أن أشكر فكرة الصحيفة المكية. الشكر على بصيرة لكل من كان سبباً في وجودها وتطويرها. والشكر سلفاً لكل من سيعمل فيها ومن أجلها في قادم الأيام الجميلة. وتحية الله للجميع.