تبرز قضية إدارة استهلاك الطاقة كقضية ملحة وضرورية بعد الاعتراف بفداحة أرقام الاستهلاك الحالي للطاقة، فهناك الكثير من التداعيات إذا استمر الوضع الحالي.
ويرى الخبراء أن التداعيات ربما تصل إلى حد أن تصبح السعودية مستوردا للنفط، رغم احتياطاتها الهائلة، والذي حدد المتشائمون بأنه سيتم في 2030.
ونوهوا إلى أن التوجهات الحالية للترشيد يجب أن تكون بخطوات أسرع وألا تعتمد على التوعية فقط، بل بالمشاريع المساندة لتحقيق ذلك، والتعمق في استراتيجية إدارة استهلاك الطاقة.
استنزاف الطاقة ممكن رغم المبالغة في أرقام الاستهلاك
استبعد رئيس مركز الخليج العربي لدراسات واستشارات الطاقة، الدكتور عيد مسعود الجهني، استهلاك دول العالم 140 مليون برميل يوميا مع حلول 2035، مشيرا إلى أن ذلك يعد رقما مبالغا فيه، فالاستهلاك اليومي في هذا العام يحوم حوالي 87 و 88 مليون برميل يوميا، ويتوقع أن تكون زيادة الاستهلاك متواضعة، بعيدا عن تلك الأرقام.
وقال الجهني: إذا كان العالم سيحتاج إلى هذه الأرقام، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية وغيرها، فإن هذا يعني أن الدول النفطية وشركات النفط العالمية لا بد لها أن تكتشف حقولاً نفطية جديدة في الدول المنتجة للنفط الغنية بالاحتياطي، كالسعودية والإمارات والكويت وغيرها، وأن الشركات البترولية تحتاج إلى البحث والتنقيب والاستكشاف في دول أخرى للعثور على النفط لسد حاجات العالم من النفط لتستطيع ضخ 140 مليون برميل يوميا، وهذا يحتاج إلى ضخ أكثر من تريليون دولار كرأسمال مضاف لاستكشاف حقول جديدة، وتطوير قدرات الحقول المنتجة.
وحول عائدات الدول العربية من أسعار نفوطها، بين الجهني أنه على الرغم من انتهاء حقبة عصر النفط الرخيص الذي عرف في الخمسينات والستينات وأواسط الثمانينات والتسعينات في أواخر قرن النفط المنصرم، وعلى الرغم من بلوغه أحياناً 100 دولار، وكسر حاجز 147 في يوليو 2008 قبل أن يعود للتدني السريع، إلا أن الدول المنتجة في واقع الأمر لم تحصل إلا على الفتات، بل إن الدول ومواطنيها تعرضوا ويتعرضون لموجة كاسحة من التضخم نتيجة التدهور المستمر في سعر العملة الأمريكية التي يسعر بها النفط.
و على الرغم من ذلك، فإن سعر برميل البترول اليوم الذي يحوم بين 100 و115 دولارا يعد سعرا مرتفعا رغم ضعف الدولار، ونعتقد أن السعر العادل للمنتجين والمستهلكين ما بين 80 و90 دولارا.
الترشيد أمر ملح
لتجنب استيراد النفط يرى رئيس مركز الخليج العربي لدراسات واستشارات الطاقة أن ما يقوله المتشائمون حول احتمالية تحول السعودية لمستورد للنفط قد يصبح أمرا واقعا عام 2030، وهذا من متابعة ازدياد الاستهلاك الداخلي، "لكن في رأينا أنه ممكن وليس مستحيلا ترشيد الاستهلاك الداخلي، والدولة تسير في هذا الاتجاه بدعم شبكة الطرق مثلا، في الرياض دشن المبدأ في خط قطار تكلفته فلكية( 22 مليار دولار)، ناهيك عن خطوط السكك الحديدية وغيرها من العوامل التي ترشد الاستهلاك، خاصة البنزين".
على الجانب الآخر فان السعودية أكبر دولة بإمكانها رفع إنتاجها من النفط إلى 12.5 مليون برميل يوميا، وقد يبلغ 17 مليون برميل يوميا في نهاية هذا العقد، والدولة مستثمرة أكثر من 129 مليار دولار لدعم احتياطاتها وإنتاجها.
وإذا عرفنا أن هناك احتياطيا نفطيا محتملا في بلادنا يزيد عن 250 مليار برميل لأدركنا أن السعودية ستبقى اللاعب الأكبر والأهم في عالم النفط، وستستمر في الإنتاج الضخم الذي يغطي الاستهلاك الداخلي، ويمد العالم باحتياطاته من النفط مع دول الأوبك والدول المنتجة الأخرى.
القطاع الخاص يقود عدم الاعتماد على دخل البترول
وحول مدى استغناء الدولة عن البترول واعتمادها الكلي على القطاع الخاص، يرى الجهني أن القطاع الخاص خرج من رحم الدولة .. كان شركة واحدة (شركة نقل الحجاج)، ومع تطور إيرادات النفط منذ السبعينات من القرن الماضي بدأت مسيرة الشركات والمؤسسات والمصانع لنجد اليوم قطاعا خاصا ضخما، هو من صنع الدولة وإيراداتها، ولن تعتمد الدولة على القطاع الخاص، فهذا القطاع هو المعتمد على الدولة، قد يساهم في تنويع الإيرادات، لكن أيادي النفط البيضاء التي حققت ـ بعد الله ـ إيرادات الدولة والقطاع الخاص، وسيبقى البترول هو الجواد الذي تعتمد عليه إيرادات الدولة للعقود الخمسة القادمة وربما أكثر، فمعظم هذه المصانع هي في حقيقة أمرها صغيرة ومتوسطة الحجم ومعتمدة أساسا على المناقصات التي تعرضها الدولة، وهي بدون شك رافدة للاقتصاد، لكن بشكل محدود، وأيضا فالمشاريع التي تعتمد أيضا على البترول والغاز، مثل الجبيل وينبع وسابك وغيرها تمثل دعما للاقتصاد، ويمكن تدشين مشاريع كبرى على غرارها لتنويع مصادر الدخل، ناهيك عن أن الأهم هو العنصر البشري الذي يمثل الاستثمار فيه العمود الفقري لدعم اقتصاد الدولة وجميع أجهزتها المالية والإدارية والاقتصادية والثقافية، فالدول القوية هي التي تملك عنصرا بشريا مؤهلا ومدربا، وهو بالتالي لا يقل أهمية عن النفط والغاز، بل قد يفوقه أهمية.
دول الخليج بمقدورها التوازن بين العرض والطلب
وفيما يتعلق بالأمان البترولي الدولي الذي تلعبه دول المجلس وعلى رأسها السعودية، قال رئيس مركز الخليج العربي لدراسات واستشارات الطاقة: في وقت يشهد فيه إنتاج النفط تدنيا في بعض الدول مثل إندونيسيا وأمريكا وبحر الشمال والصين، مع زيادة مستمرة في الطلب على النفط، كما لا يتوفر لدى معظم الدول المنتجة للبترول طاقة إنتاج فائضة تستطيع أن تعوض النقص، فإن دول الخليج العربي بمقدورها ضبط ميزان العرض والطلب على البترول في السوق الدولية للنفط إلى حد كبير، باعتبار أن اتخاذ القرار النفطي داخل الأوبك التي تحتكر 80.5% من الاحتياطي النفطي المؤكد عالميا سيكون متركزا في منطقة الخليج، خصوصا دول مجلس التعاون الخليجي التي يبلغ إجمالي احتياطيها النفطي أكثر من 495 مليار برميل.
وزاد: يوجد على أرض المملكة أكبر حقل على اليابسة (حقل الغوار)، ويوجد تحت مائها حقل السفانية الذي يعتبر أكبر حقل مغمور منتج للزيت في العالم، ويقع على بعد حوالي 200 كيلومتر شمال الظهران في الخليج العربي بامتداد بسيط تحت اليابسة، واكتشف هذا الحقل عام 1951 وبدئ في إنتاجه عام 1957 من مكمني السفانية والزبير، فإن هذه الحقول العملاقة تجعل للسعودية وضعا فريدا متميزا، ولها قصب السبق، حيث لا يمكن مجاراتها في مجال النفط، وتستحق بجدارة هذه المكانة الكبيرة، بل إن هذا النفوذ النفطي يزداد عاما بعد عام، فهناك كنوز عديدة في السعودية لم تكتشف بعد، وأمامنا شاهد على ذلك، فما حدث ويحدث على أرض وادي الدواسر التابعة لمنطقة الرياض من اكتشاف لحقول عديدة لدليل لا يقبل الجدل، وما اكتشاف حقل الشيبة في الربع الخالي في الربع الأول من عام 1999م إلا دليل آخر على أن السعودية هي صاحبة أكبر حقول نفطية عملاقة في العالم.
ضرورة إدارة الاستهلاك للحفاظ على الموارد النفطية
دعا خبير نفطي إلى إنشاء شركة متخصصة في إدارة استهلاك الطاقة للحفاظ على الموارد النفطية محليا، لتكون معنية بشأن الطاقة المستهلكة، في ظل تشعبها والعمل على اتباع خطط بعض الدول المتقدمة من خلال الشركات المختصة.
وأوضح رئيس مركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية، الدكتور راشد أبانمي، أن أرامكو تبذل جهودا حثيثة، وعلى الرغم من ذلك فإنها لا تستطيع القيام بالدور الفعال في ترشيد الجهات والأفراد المستهلكة للنفط محليا، فمن المفترض أن يكون في اختصاصها الأول الاستكشاف والتنقيب فقط، أما الإنتاج والتكرير والتسويق فيكون لدى شركات أخرى، على غرار شركات كبرى في الدولة نشأت من أرامكو كسابك التي تقوم بدورها بشكل جيد.
ويرى أبانمي أن التركز حاليا على مشكلة استهلاك الأفراد غير ممكن، كونه لابد من توفير البديل ويعدون شريحة صغيرة، ولا يمكن أن ننظر للأمر قبل وضع الحلول، فلا يوجد نقل مدرسي، ولا نقل عام، لذلك تعمل الدولة حاليا على عدد من مشاريع النقل في عدد من المناطق، الأمر الذي سيسهم في تقليص الاستهلاك ويرفع من الدعم جزئيا، مقابل عدد من الجهات التي تلعب دورا في خفض الاستهلاك، فالحلول يصعب وضعها في يوم وليلة، في وقت قال فيه البنك الدولي إن استهلاك السعودية السنوي يزيد سنويا 8% ، وهذا عالٍ مقابل زيادة السكان 2% سنويا، فبذلك فإنه وخلال عشرين عاما سنستهلك جميع ما ننتج، ونحن مصدرنا المالي من البيع، لذلك فإن تنقيص المعدل يبدأ أولا في توفر النقل العام.
اعترافنا بفداحة الاستهلاك بداية لعلاج المشكلة
وأضاف رئيس مركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية أن شركة الكهرباء بحكم المناخ الصعب فإنها من الطبيعي أن تستهلك قدرا لا بأس به من الطاقة، فمن الممكن معالجة ذلك بتوفير تكييف مركزي ضمن المشروع الوطني لترشيد الطاقة، في وقت بدأت فيه الدولة تكافح الأجهزة الرديئة التي تستهلك طاقة عالية تنعكس سلبا على استهلاك النفط مستقبلا، لذلك فالمشكلة بدأنا نعترف بها، وهذا أمر إيجابي، والآن نحاول حلها في خطة زمنية، وهذه بحد ذاتها قفزة كبيرة لخفض الاستهلاك، فخلال السنوات المقبلة من المفترض أن يتم خفض معدل الارتفاع إلى ناقص 8 ، بحيث نعود للاستهلاك العادي إلى نحو مليوني برميل مكافئ، في وقت يصل فيه الآن 4 ملايين برميل مكافئ بين الغاز والزيت، بنحو 400 مليون دولار، حسب السعر العالمي، ويباع بالسعر المحلي بين 6 و10دولارات للبرميل، أي بمبلغ لا يتجاوز وفي أحسن تقدير 40 مليون دولار يوميًا.
وكما ترى الفرق الهائل والمخيف الذي يبلغ نحو 300 مليون دولار يوميًا، ولا غرابة لو نصل يوما من الأيام إلى الصفر حين القيام بالأدوار التي تساهم في تقليص تلك المعدلات من خلال توزيع المهام على الشركات وتغيير آلياتها ويكون استهلاكها للطاقة مرشدا، وضرورة فرض رسوم في حين زيادة استهلاكها بـ 5 دولارات لكل برميل، على سبيل المثال.

