أثارت ندوة ما بعد الحداثة في النص المسرحي الخليجي، التي أقيمت مؤخرا ضمن فعاليات مهرجان الكويت الأكاديمي ردود فعل متباينة بين كثير من المسرحيين حول موضوع الحداثة، وهل وصل النص المسرحي الخليجي إلى الحداثة حتى يتم التطرق لما بعد الحداثة.

وفي ورقته حول الموضوع تناول الكاتب المسرحي سامي الجمعان، عددا من الكتاب السعوديين والخليجيين، منهم الكاتب المسرحي فهد الحارثي، ووصفه بأنه سارد قبل كل شيء، وأن الدراما المسرحية جذبته لتشكل شخصية كاتب مسرحي قدم السرد عبر الدراما، وهو ما جعل الحارثي يرد قائلا: «لكل إنسان الحق في طرح وجهة نظره بأي موضوع، وفقا لثقافته وفكره وعلمه، ولكن إذا تحول هذا الرأي لورقة بحث أو ورقة بحثية أو مادة علمية فإنه بذلك يخضع نفسه لمقاييس علمية بحثية».

لا أمثل مرحلة حداثة المسرح

ويضيف الحارثي: «وفق ما أطلعني عليه بعض الزملاء حول ورقة الجمعان، أشعر أنه تورط في عنوان الندوة حول مسرح ما بعد الحداثة، والجدليات التي افترضها في بحثه كانت بحاجة لمنهج أكثر علمية من مجرد ملامسة السطح.. عني شخصيا، لا أعتقد أنني أمثل مرحلة حداثة المسرح، أو ما بعد الحداثة، فعملي على نصوصي كان وفق مشاريع كنت أحاول فيها تقديم بحث ونحت لتجربة ما، ولم تكن تجربة إيجاد مقاربات بين لغة السرد في القصة، ولغة الحوار في المسرح إلا مشروعا ضمن سلسلة مشاريع تضمنت مسرح الحركة وحركة المسرحية في مسرحيات البابور والفنار والمحتكر والبروفة الأخيرة ومشروع الجملة الحوارية السردية، التي يدفع بعضها بعضا لتشكل البناء الدرامي للنص، مثل ما حدث في مسرحيات عصف وسفر الهوامش وحالة قلق، ومشروع المسرحيات القصيرة التي تمثل شيئا من فكر اليوميات، مثل كنا صديقين وأريد أن أتكلم وتفاصيل الغياب، ثم مشروع نصوص الفيس بوك مثل المحطة لا تغادر والجثة صفر، ومن هنا أنت لا تستطيع أن تناقش سمة كاتب ما دون مناقشة جميع المراحل والنقاش معها ومع مراحلها وتفاصيلها».

أبحث عن حوار في نصوص السرد

ويتابع الحارثي: «لم أكتب يوما قصة وحولتها لنص، ولا ينطبق هذا على أي نص لي. كنت أبحث في نصوص السرد عن حوار سردي يدفع بعضه بعضا مشكلا الحدث، العبارات تتدفق بين أفواه الممثلين، مشكلة الحالة المسرحية التي يبحث عنها المخرج ليكون الحدث الحركي المرئي، وسأختلف كثيرا مع من يقول إن مسرحنا العربي كله قد وصل لحدود الحداثة، أو بحث في حالة ما بعد الحداثة، وهي حالة لم يتم حتى الآن الاصطلاح عليها، وهل هي مكون جديد له سماته أم هي حالة نكوص لتقليدية أكثر».

دمج الأجناس الأدبية

إلى ذلك، علق الجمعان على ما ذكره الحارثي مؤكدا تمسكه برأيه قائلا: «بداية أشكر صديقي العزيز والكاتب الجميل فهد الحارثي على التماس مع ورقتي. كما أقدر كل من أثنى عليها، وعدها نموذجا للمنهجية العلمية في الندوة سالفة الذكر. وفي الوقت ذاته أقدر من اختلف مع الورقة أو تقاطع معها، وهكذا علمني العلم وعلمتني المعرفة أن امتلاك الحقيقة المطلقة في العلم أمر لا يستقيم لأحد». ويضيف الجمعان: «الحارثي يطرح رأيه، وهو حر فيه، لكنني أيضا أتبنى رأيي في ورقتي بكل حيادية وموضوعية، وأتمسك به. وحينما أشرت إلى الحارثي فأنا أشير إلى تقنية من تقنيات ما بعد الحداثة، وهي اتجاهها إلى كسر الفوارق بين الأجناس الأدبية، ومحاولة إقصاء النمذجة المحددة المعالم لكل جنس أدبي.. وفهد وكثير من الكتاب عملوا الشيء نفسه، دمجوا الأجناس، ومزجوا السرد بالمسرح، أو الشعر بالمسرح، أو الفنون البصرية بالمسرح».

نحن بخير ما دمنا في نقاش

ويؤكد الجمعان على أن ورقته تتبنى النموذج، لكنها لا تتبنى وعي الكاتب من عدمه، مواصلا حديثه: «ورقتي تؤكد على أن القصدية في فعل ذلك من قبلنا ككتاب ليست موجودة بالضرورة، إنما يحدث ذلك بوصفه انعكاسا لمرحلة هيمنت ملامحها علينا حتى بغير قصد منا، فتمثلنا تقنياتها في نصوصنا وعروضنا». ويوضح الجمعان: «أقول، وأنا لا أتحدث عن كاتبنا الحارثي، بل بصورة عامة، يفترض أن نفهم فلسفة المصطلحات ومعانيها قبل أن نخوض فيها. وفلسفة ما بعد الحداثة تقول إن ثمة تقنيات وآليات وتوجهات واضحة أنتجتها مرحلتها، فإن وجدت في نص مسرحي أو روائي أو قصيدة ليس من العيب في شيء أبدا. وسأختم بما انتهى إليه الحارثي في رأيه السابق: لا نزال في نقاش، وما دمنا في نقاش فنحن بخير، وسنصل إلى عمق معرفي، لكنها ليست هرطقات كما وصفت!».


«أرى أن ورقة الجمعان لم تناقش الموضوع بعلمية وحرفية، ولم تتعمق في الشكل الكتابي والدلالي والسيميائي، وإنما مرت بالتجربة عبر عدة سطور للتدليل على موضوع الحداثة وما بعدها. وفي تصوري أنني لم أقترب من الحداثة حتى أصل لما بعدها، ولكن مشكلة الأوراق البحثية التي تطرح في الندوات والملتقيات أنها لا تطرح بشكل علمي ولا بمنهج بحثي، وإنما تطرح بشكل أقرب لهرطقات الحواة، فتكون حمالة أوجه مختلفة».

فهد الحارثي


«ورقتي تطرح فلسفة وتقنيات وآليات ما بعد الحداثة ثم تفحص النصوص الخليجية للبحث عن تمثلاتها فيها، وتقنيات ما بعد الحداثة التي رصدتها في نصوصنا الخليجية هي «الكولاج أو فن التجميع، كسر فوارق الأجناس الأدبية، الغموض المفرط، الفوضى الجانحة إلى التنظيم، الميتامسرح أو الرؤية النقدية للمسرح داخل المسرح، النهايات المفتوحة»، فكيف نقول إن ذلك غير موجود طالما وجدت عيانا في نصوصنا، أم هل نريد إلغاء مرحلة من مراحل البشرية حين لم يعجبنا الرأي العلمي فيها؟».

سامي الجمعان