ذكر ابن خلدون في نهاية كتابه الشهير المقدمة قصة لطيفة وقعت لابن بطوطة.
لم يصدق جمهور الناس معظم القصص التي ذكرها ابن بطوطة عن رحلاته، إحدى هذه القصص أنه مر على أقوام لا تغطي النساء صدورهن، فقال لهم ابن بطوطة إن مثلكم مثل ابن الوزير الذي سجن مع والده وهو طفل، وكلما ذكر له والده اسم حيوان (فيل- أسد- حصان) يقول كيف هو من الفأر؟ لأن الطفل لم ير حيوانات سوى الفئران فلا يكاد يتصور حيوانا مختلفاً عن الفأر.
مقصود ابن بطوطة لأهل المغرب، لا تحكموا على قصصي بأنها غير معقولة لا لشيء وإنما لأنكم لم تألفوها.
موقف أهل المغرب هو موقف معظمنا يقبل الشيء ويعتبره عقلانياً إذا ألفه وسمع به ولا يقبله ويعتبره كذبا أو خرافات إذا لم يألفه.
كثير منا يؤمن بقصص العين والسحر وفي بعضها حق، لكن عقولنا قبلتها لكثرة ما ذكرت أمامنا من دون أن يقف الواحد منا موقفاً عقلانياً ويحلل الظاهرة، هل يعقل أن يدخل جسم غير مرئي في جسمي ويتحكم به؟
أؤمن شخصيا بوجود السحر ودخول الجن، لكن أعترف أن تبنيّ لها كوني ولدت في بيئة تتحدث كثيرا عن هذه القضايا ولو أني ولدت في بيئة أخرى لا تؤمن به لما قبلته.
قبل عدة سنوات عندما وجه الملك باعتماد ميزانية ضخمة لدعم بحوث تقنية النانو في الجامعات السعودية، سأل شاب في المرحلة الثانوية (تخصص شرعي) مهندسا تخرج في جامعة الملك فهد عن ماذا تعني تقنية النانو؟
فقال المهندس: تخيل أن أمامك متر (100) سم وقسم المتر إلى 1000 جزء.
الطالب: طيب
المهندس: خذ جزءا من هذه الألف جزء وقسمها إلى 1000 جزء.
الطالب: طيب.
المهندس: خذ جزءا من هذه الأجزاء الأخيرة وقسمها إلى 1000 جزء،
الطالب: طيب:
المهندس: بطريقة أخرى: لو قسمت المتر إلى مليار جزء، تقنية النانو تعنى بأجسام مثل هذا الحجم لها استخدامات في الطب والصناعة والاتصالات.
الطالب: هذا الشيء لا يعقل ولا يمكن أن يصدقه إنسان! أجسام بهذه الحجم أشبه بالعدم ولا يوجد جهاز يستطيع أن يوجدها فضلا عن أن يتحكم بها ويوظفها في استخدامات في الصناعة والطب.
لو درس هذا الطالب تخصصا علميا ودرس الهندسة لقبل بالفكرة من دون أي صعوبة، لا لأن مستوى عقلانيته تحسن وإنما لأن زملاءه ومدرسيه سيتقبلونها وسيكون واحداً منهم.
لتوضيح الفكرة أذكر مثالا آخر، لو قيل لمعظم عقلاء العالم قبل 100 سنة أنه توجد تقنية تسمى الواي فاي. يستطيع الواحد أن يحمل فيلما لمدة ثلاث ساعات خلال دقائق في جهازه من دون أن يرتبط بأي شيء، لما قبلوا الفكرة واعتبروها خرافة.
بالفعل معهم حق! كيف يستطيع أن ينتقل الفيلم من خادم يبعد عن الجهاز آلاف الكيلو مترات خلال الهواء ويصل لجهازك من دون أن يفقد أي شيء منه؟ ليس هذا فحسب وإنما تشاهد الفيلم بنفس صفائه وهو يعرض في صالات السينما؟
بالتأكيد عدم قبولها الآن هو الشيء غير العقلاني، لكن نحن قبلناها لأننا شاهدناها أمامنا ماثلة ولو أننا طبقنا عقلانية جوفاء سخيفة لما قبلنا الفكرة.
ما زلت غير مستسيغ فكرة أن ينفث شخص في عُقد ويتلو عليها عدة كلمات ثم يصاب شخص بالعمى، لكن هذا الأمر وقع للمئات من الناس وتناقله الثقات من الناس، بحيث يكون عدم قبول شهادتهم هو الموقف غير العقلاني.
تناول د. علي الوردي في كتابه (مهزلة العقل البشري) هذه العقلانية (الصوري) بالكثير من النقد.
مقصودي من المقال، علينا أن نتحلى بالتواضع ونكف عن رد حقائق وأخبار لمجرد أننا لم نسمع بها من قبل.
هل يكفي المألوف لتحديد ما هو عقلاني وغير عقلاني؟
حمود الباهلي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
