كنت أحاول مهاتفة مندوب الشركة طوال اليوم، ولكن لسبب ما لم يكن يجيب على المكالمات كعادته، ثم تواصل معي في اليوم التالي في الحادية عشر مساء معتذراً إن كان الوقت غير مناسب، ثم بدأ يطلعني على مجريات مهامه ومتابعته لمعاملات الشركة في الدوائر الحكومية، وربما يمكن تلخيص جميع حديثه أن المعاملات «تحت التنفيذ»، وبقية حديثه هو تذمر من هذه الجهات فبعضها يعامله بفوقية، وبعضها الآخر يطالبه بإثباتات للهوية، والبعض الآخر يجيبه منذ شهور بأن المعاملة ضائعة، وبعض الجهات تتطلب تفتيشا دقيقا عند الدخول، وهذا الأمر بالنسبة له مزعج جدا، لماذا هذا التفتيش وعدم الثقة فيه؟ هل يبدو خائنا، وبقي يتذمر لساعات طويلة.
أعلم جيدا أن المشكلات التي يقولها ليست مفتعلة وأنها حقيقية وموجودة مع الأسف، ولكن من أجل أن يحدث التغيير علينا دائما أن نبدأ بأنفسنا بدلا من انتظار كل الموظفين الآخرين يقررون التغير، ومن أجل ذلك سألت المندوب ما هو المطلوب؟ هل تريد أن أقوم بتأدية المهمة بدلا عنك؟ ليكون رده بالنفي، وأنه يتمنى أن يقوم المدير العام بتنفيذ المهمة بنفسه وبعلاقاته ويكفينا شر مراجعة الجهات الحكومية لأنه في قمة هرم المذلة، وأنه مستعد أن يسأل الناس مالا ولا أن يقوم بمراجعة جهة حكومية. قد لا يكون كلام هذا المندوب مقياسا على جميع العاملين، ولكنه مؤشر مهم على ثقافة العمل في مجتمعنا، فما أكثر البشر الذين هم على استعداد أن يحصلوا على المال دون أي مجهود، وحينما تجالسهم وتحدثهم عن العمل في القطاع الحكومي يجيبونك بإحباط تام بأن الوظائف الحكومية من الصعب الحصول على ترقيات فيها ومسارها الوظيفي طويل المدى ضعيف، فتقترح عليهم العمل في القطاع الخاص ليجيبونك بأن المردود المادي لهذا القطاع قليل جدا وأن العامل فيه ينمي رأس المال لصاحبه ولا يشاركه الربح وكأنه أجير في زمن الإقطاعية حيث كان العبيد يعملون لصاحب الأرض مقابل طعامهم وشرابهم وهو الوحيد الذي ينتفع من أرباح الأرض. فتطلب منه أن يبدأ مشروعه التجاري الحر وأن يستغل فرص السوق المتغيرة وذات الاحتياجات الكبيرة في مختلف المجالات ليجيبك بأنه ليس مستعدا للمخاطرة، ولا يمتلك المزاج الذي يجعله قادرا على الجلوس في محل تجاري فترتين طويلتين في اليوم، فتقترح عليه أن يعمل في العقار، فالربح فيه مضمون ونسبة المخاطرة فيه قليلة جدا، ليجيبك بأنه حتى يعمل في هذا المجال يحتاج لرأس مال عال، وأنه ليس مستعدا أن يعمل في الدلالة على الأراضي بمبلغ أقل من فتات الكعكة، وهكذا حتى تنتهي جميع المهن وجميع المجالات وهو يملك عذرا يقنعه بأن العمل في هذه المجالات غير مناسب له ولشخصيته وأن كل العاملين في هذه المجالات إما أنهم على خطأ أو أنهم قد ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب. ويذكرني هؤلاء الذين يجدون علّة في كل أمور الحياة ويعيقون طريقهم عن التقدم بالمثل الحجازي القائل «حبحب ما ناكل، خربز يآزينا، قريب ما نعشق، بعيد يروح ويخلينا» .
إن الدين الإسلامي دين العمل، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل منذ صباه في رعي الغنم والتجارة ولم ينقص من قدره وهو نبي هذه الأمة وقدوتها، كما كان رسول الله عليه الصلاة والسلام كثير الحث لأفراد أمته بأن يعملوا، وكان يعطي بعض السائلين فأسا بدلا من أن يعطيه طعاما، فضلا عن كثير من الأحاديث التي تحدد تفاصيل ثقافة العمل في ديننا الإسلامي كاحترام الوعود وعدم الغش، وأكل الأموال بالباطل، ولعن الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما. وما أبعدنا عن هذه الثقافة الإسلامية اليوم، وما أبعدنا عن تعاليم نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام.
من أجل أن يحدث التغيير ومن أجل أن تتحسن أحوال أمتنا وثقافتها في العمل علينا أن نبدأ بأنفسنا، ولا ننتظر التغيير يبدأ من غيرنا، لننظر إلى الموضوع على أنه سباق للتغير الإيجابي، كذلك علينا ألا ننتظر من السماء أن تمطر ذهبا، فالذهب موجود في باطن الأرض، ولنصل إليه علينا أن نحفر وأن نبذل مجهودا، ومن المهم أن تكون معاملاتنا الأخلاقية مبنية على الشرف والأخلاق والنزاهة والصدق والأمانة، وبعبدة عن الغش والخيانة والخداع والتدليس والكذب، فواقعنا المحبط ينتظرنا أن نبادر بتغييره، وأن نبتعد عن الركض خلف القافلة والتقليد الأعمى وترديد الأمثال خارج سياقها كمن كان يبرر خداعه وغشه في بيعه لمنتجاته التجارية بأنه إن لم يكن ذئبا أكلته الذئاب، دعونا نسأل الله العلي العظيم أن يعيننا على التغيير الإيجابي وأن ينفعنا بما علمنا ويعيننا على العمل به، وألا يكون علمنا حجة علينا في يوم لا ينفع مال لا بنون.
أزمة ثقافة العمل
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
