لا أعتقد أن «الورقة» المطوية في إحدى الصحف كانت من صنع الجريدة مثلما يحدث مع بعض المنتجات التجارية التي تستخدم الصحف كأداة تسويق لمنتجاتها من خلال ملصقات أو مطويات لسلع تجارية يتم من خلالها التعاقد مع الجريدة لطباعتها وتوزيعها مع الصحف. هذه الورقة أو «الروشتة» المتنقلة لتسويق الشفاء من كل الأمراض ما عدا للأمانة مرض الـ»H1N1» الذي لم تتم ترقيته للقائمة بعد، وربما تم تأجيله للتمويه وعدم استباق أمر مُحدث لم ينزل الله به من سلطان، أو أن «التاجر» ينتظر تقارير منظمة الصحة العالمية للقاح الجديد ومكوناته وتأثيراته الجانبية، وبعدها يفعل الله ما يريد!
الورقة المدسوسة في إحدى الصحف هي عينة تجارية للوهم العالق في رؤوس الناس، والشخص الذي وضعها هو أحد معززي الوهم وصانعيه ومروجيه.
ولعلنا لا نزال نذكر أن تجارة العلاج بالأعشاب والرقية والقراءة بالقرآن راجت خلال العقدين الأخيرين، إلى درجة أنه تم الكشف عن استراحات وأحواش للقراءة الجماعية.
هذه العينة من الأوراق التي تحتوي على أكثر من خمسين وصفة لأكثر من ثلاثين مرضا، بعضها يحتوي على كل شيء مثل أمراض (الوهم والتخييل والكوابيس وطرد الأرواح الشريرة)، وهذه الأرواح بهذا الوصف لا أعرف كيف اهتدى إليها التاجر وهي وصف اعتدناه في الديانة المسيحية، وبالتحديد في ترجمات بعض أفلام الإثارة والرعب التي كانت رائجة في شبابيك السينما الأمريكية.
معظم أنواع الأعشاب موجودة في روشتة الرجل المتنقل في طيات الصحف، واعتقادي أن موزعها الذي استغل بركات شركات التوزيع وروحانية رمضان وهيئته المطمئنة فيما يبدو في الغالب، وبساطة بائعي الصحف في أماكن التموين التي يديرها عمالة وافدة تفضل فعل الخير أمام هيئة أهلها، وأرفقها مع الصحيفة لتصل إلى يد القارئ بأبسط الطرق بدلا من استخدام الترويج بالفاعلية الذي يلزمه الكثير من الوقت والكثير من المال والمخاطرة في تجريب هذه الوصفات التي يذكر في وصفها أنها مجرّبة ويذكر فيها أسماء خلطات لأناس معروفين في أوساط العلاج الشعبي.
ونفس الروشتة تقول إنها «توفّر جميع العلاجات الواردة في الطب النبوي المقروء فيها والتي تستخدم كوقاية وعلاج لجميع الأمراض العضوية والنفسية والمعنوية» وهاتف البروفيسور المعالج في آخر الورقة.
لا أحد يشكّ في أن هناك أعشابا نافعة، وهناك مختبرات ومراكز علاج وأطباء معروفين في استخلاص المواد النافعة في أنواع من الأعشاب، لعلاج بعض الأمراض البسيطة التي لا تحتاج عادة إلى زيارة طبيب، وهي في العادة علاجات شعبية أدّت إليها الحاجة قبل تطوّر الطب وقبل وجود مستشفيات، وشاع وقتها استخدام بعضها إلى درجة معروفة في أغلب البيوت التي تسكنها نساء أو رجال كبار في السن، نقلوا خبراتهم الحياتية إلى البيوت وانتهت بوجود مستشفيات ومسكنات ومختبرات وفحوصات.
هذا الأمر الطبيعي تم استغلاله واستغلال المرحلة التي عاشها الأولون وسط ضروراتهم الخاصة، وزيد عليها كل ما يمكن أن يستجد وإلصاقه بحياة كان لها ظروفها الاستثنائية، أي بمعنى أعطيت شرعيتها من قبل مستغلين لحاجات الناس المرضية، وبالتحديد الغيبيات مثل (السحر والجن والعين والحسد)، شيء يمكن أن تزرعه في أذهان الناس وتتاجر به، بحيث حينما يصعب العلاج أو يندر نحيل إليه كل حالاتنا لنتعلّق بقش الأمل.
ونعرف جميعا أن ثقافة تولّد هذه الحالات هي ثقافة متأخرة، وهناك أسباب لتأخرها من ضمنها وجود ممارسين لهذه الأدوار ومروجين لهذه السلع، في ظل وجود حكايات داخل أمخاخ الناس تؤمن بأن رجلا يدس ورقة ويذكر فيها كل ما رود في حياة الإسلام الأولى، حين كان وقتها العشب مستشفى متنقلا بدون بدائل، حلاً لكل شيء، وبالتحديد الأرواح الشريرة!
لا يمكن أن يتم ترويج هذه الخرافات إلا بوجود مناخ ينمو فيه فطر الاستغلال، ولا يوجد أسهل من أن تستغل مريضا لتشعره أن مرض الكبد الوبائي هو «جنّي متلبّس» أو «عين حسود ما صلى على النبي».
بعدها ستجد عشرات المشترين في طوابير أمام عامل نظافة يبيع خلطات (العصفر والتلبينة والعجوة والكحل والعسل وحبة الملوك والصبخة) بصفتها مختبرات وعصائر وجودية تضمن لنا الشفاء وطول الحياة، المهم ألا ننسى الدعاء للخلّاط!