«يا لطفية. يا جواهر. يا بنات.. بسرعة تعالوا الحقوني». كان هذا نداء (ستّي خديجة) لبناتها صباح يوم فرح ابنة الجيران «فتو». كانت تستعد لتحضير ما لم تنه تحضيره بالأمس من حلويات لترسل بها إلى بيت أم العروس، جارتها «عيشة» رفيقة العمر، كاتمة الأسرار، شريكتها في كل صروف الزمان.
بيت «عيشة» كان كخلية النحل ذلك اليوم، ففرح «فتو» سيقام على سطح المنزل تلك الليلة للسيدات، أما الرجال فسوف يستضيفهم «عم عبدالكريم» حبيب الكل، صاحب المبادرات الطيبة، حلال المشاكل في منزله المجاور لمنزل والد العروس.
أي زمن بائد هذا الذي أتحدث عنه؟ ليس بائداً. كان منذ عهد قريب جميل حنون أبعدتنا عنه إسمنتية مشاعرنا الحالية، فظننا أنه بائد. ذلك الزمن الذي كان فيه بيت الجيران بيتي وعرضهم عرضي وفرحهم فرحي وحزنهم حزني. ذلك الزمن الذي لم تكن تغلق فيه أبواب المنازل ليلاً أو نهاراً.
صالح وعبدالرحيم وغازي وبقية الشباب من الجيران كانوا يعدون المكان في منزل عم عبدالكريم لاستقبال الضيوف من بعد صلاة العصر. الصغار كانوا يساعدون أيضاً ولكن بطريقتهم العابثة الطفولية فينهرهم صالح بلطف مرة وبقلة حيلة مرة أخرى.
والد العروس كان لا يجد وقتاً ليرتاح لانشغاله بشكر الأصحاب والجيران والأقارب الذين يبعثون إليه بهداياهم التي كانت في الغالب نقوداً أو ما يحتاجه من أرز وشاي وسكر ولحوم لعشاء الليلة.
فوضى وتعب وازدحام وتوتر، ولكنها تلك السلبيات المليئة بالإيجابيات، بهيجة تروي قلوبنا العطشى لسقيا الحب والرحمة والمبادرة الشهمة والمشاركة حتى النهاية أو... حتى البداية.