يَذْكر كلُّ مَنْ تَرْجَم للعلَّامة محمود شاكر أنَّه عاش نَحْوَ سنة في الحجاز، ويُحَدِّدون لذلك تاريخًا مبكِّرًا هو عام 1347هـ، ويذكرون أنَّ محمودًا أنشأ في أثناء إقامته في جدَّة مدْرسة تُدْعَى «الأميريَّة»، وأنَّ القائمين على أمر التعليم عَهِدُوا إليه إدارتها، ثُمَّ يكتمل الخبر، وتمضي التَّرجمة إلى شأن آخر مِنْ شؤونه.
ولنْ نَعْرف الأمر بتمامه إلَّا إذا عرفْنا أنَّ ارتحال محمود شاكر إلى الحجاز، سببه تلك الأزمة النَّفْسيَّة الَّتي عصفتْ به، في مستهلّ شبابه، حين عَرَضَ أستاذه طه حسين لمشكلة الانتحال في الشِّعْر الجاهليّ، فغادر محمود الجامعة، ورأى أنَّ مِنَ الخير لنفْسه الهلعة أنْ تتحوَّل عنِ القاهرة، حيث الصَّخب والضَّجيج، إلى جدَّة، فعسَى أن يَرُدَّ الحجاز إلى رُوحه أمنها وسكينتها.
لا تَبُوح التَّراجم بشيْء عنْ تلك الأشهر الَّتي أنفقها في جدَّة، ولا نكاد نقف على حياته فيها، إلَّا أنَّه اتَّصل بالأفندي محمَّد حسين نصيف، وقدِ انعقدتْ بينه وبين محمَّد شاكر، والد محمود، صداقة، ربَّما كان أصلها اعتزاء الشَّيخين إلى السَّلَفيَّة، ثُمَّ لا نكاد نَظْهَر إلَّا على سطر أوْ بعض سطر، عَرَضَ فيهما رحَّالة فلسطينيّ لمجلس الأفندي نصيف، عَقِبَ موسم الحجّ، وأنَّ في المجلس القاضي أحمد شاكر وشقيقه محمودًا، ثمَّ حتَّى إذا ثاب محمود شاكر إلى وطنه، وخاض في شؤون الثَّقافة نقرأ له أسطُرًا في مجلَّة «المقتطَف» يُعَرِّف القارئ بكتاب صديقه وتِرْبه في جدَّة حسين بن محمَّد نصيف «ماضي الحجاز وحاضره».
سكت محمود شاكر عن الحقبة الحجازيَّة في حياته، ولمْ يُعِرْها مترجموه فضْل عناية، ولمْ نقرأْ لدى أدباء الحجاز شيئًا عنها، ففاتَنا قَدْر مهمّ مِنْ تاريخ الرَّجُل وتاريخ ثقافتنا.
غير أنَّ الشَّيخ محمودًا ربَّما أراد أن يَخُصَّ الحجاز بخَبِيئةٍ مِنْ مُخَبَّآتِهِ، وطَرِيفةٍ أدبيَّةٍ مِنْ طَرَائفه، فاز بها الحجاز، وظفرتْ بها جدَّة، حِين عَثَرَ ابنه فِهْرٌ على مخطوطة بقلم الشَّيخ، يَرْقَى تاريخها إلى سنة 1347هـ، دعاها «الحِجَازيَّات»، وفيها أثبت محمود شاكر شِعْره الَّذي كتبه في حقبته الحجازيَّة المجهولة، فعسى أنْ يَكْشف ديوانه المخطوط ما غَمض من حياته في الحجاز، حين يُنْشَر الدّيوان قريبًا.
حجازيَّات محمود شاكر
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
