هناك كلمة جديدة يستخدمها البعض للحديث لوصف السياسة الأمريكية الخارجية في عهد أوباما «تراجع». مؤشرات الضعف الأمريكي المزعوم في كل مكان: الانسحاب من العراق، ثم من أفغانستان؛ المفاوضات مع إيران بدلا من القنابل؛ تحول فارغ إلى آسيا يفشل في احتواء الصين؛ روسيا تبدي حزما بضمها مناطق جديدة دون أن تدفع الثمن؛ تقليص ميزانية الدفاع فيما تتزايد فروع القاعدة في الشرق الأوسط؛ وعدم وضع حد لإراقة الدماء في سوريا.
لكن الاتهام بالتراجع هو مجرد وهم. الذين يتهمون الولايات المتحدة بالتراجع عن المسرح العالمي لا يفهمون حدود قوة الولايات المتحدة، ولا يفهمون كيف تسير الأمور في العالم، ويبدو أنهم لا يفهمون حتى معنى كلمة «تراجع». الوقائع تشير إلى غير ذلك. الدولة التي في حالة تراجع لا تلتزم بالتزاماتها مع حلفائها، تقلص وجودها في المنظمات الدولية، وتتنازل في وجه القوى الصاعدة. لكن أمريكا لا تفعل أي شيء من هذا. لم تتخل أمريكا عن أي تحالف عسكري ولا عن منظمة دولية، وفي الوقت الذي تقلص فيه وجودها في الشرق الأوسط، تقوم بزيادة وجودها في الشرق الأقصى. ثم أن الوجود الدبلوماسي الأمريكي في الشرق الأوسط قوي جدا. وزير الخارجية جون كيري تمكن من إطلاق مفاوضات السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. أمريكا وحلفاؤها توصلوا إلى اتفاق مع إيران لتثبيط طموحاتها النووية وهي تتفاوض مع طهران للوصول إلى اتفاقية نهائية بهذا الخصوص. وفي يناير ساعدت أمريكا في عقد محادثات في جنيف لحل الأزمة السورية، بعد أشهر من إجبار النظام السوري على التخلي عن برنامجه الكيماوي بسبب التهديدات الأمريكية.
وفي الشرق الأقصى وأوروبا تقوم إدارة أوباما بمبادرات تجارية طموحة. وبالنسبة لروسيا، تقود الولايات المتحدة التوجه لمعاقبة بوتين بسبب ضمه شبه جزيرة القرم. قد يقول البعض إن بعض هذه الجهود لن تنجح، لكن مجرد وجودها يدحض فكرة التراجع.
هذا يدفع إلى التساؤل: ما الذي يتحدث عنه المعادون للتراجع؟
أولا، الحديث عن التراجع ليس في حقيقته عن التراجع – لكنه عن اختلاف في السياسة. اختلاف وجهات النظر حول طريقة التعاطي مع إيران أو الموقف من التطورات في مصر لا يعني تراجعا من الإدارة الأمريكية، لكنه يعني أنها تنتهج سياسة مختلفة عن أولئك الذين ينتقدونها.
ثانيا، السياسة الأمريكية الخارجية تتأثر إلى حد كبير بالسياسة الداخلية. الإعلام الجمهوري المحافظ يحاول تشويه صورة الرئيس أوباما وتتهمه بأنه جبان وضعيف. هم فعلوا نفس الشيء في السابق مع رؤساء ديموقراطيين آخرين. الهدف هو محاولة لتصوير الجمهوريين على أنهم يحملون مشعل القوة والصرامة.
ثالثا، الذين يتهمون الولايات المتحدة بالتراجع لا يفهمون القيادة الأمريكية إلا من خلال استخدام القوة العسكرية. لذلك أثاروا ضجة كبيرة بسبب عدم قصف سوريا، مع أن إدارة أوباما نفذت هدفها بتجريد سوريا من أسلحتها الكيماوية.
أخيرا، أولئك الذين يعارضون التراجع مقتنعون بأسطورة القوة الأمريكية الكلية، وأن أمريكا إذا فعلت شيئا يتغير العالم. لكن أمريكا احتفظت بقواتها في أفغانستان لمدة 12 سنة، وقاتلت حركة مسلحة مخيفة، وأنفقت مئات مليارات الدولارات، ومع ذلك يطالب رئيس تلك الدولة أمريكا بالرحيل رغم أن بلده لا يزال يعاني من الحرب الأهلية والفشل. إذا كان ذلك الوجود الأمريكي الذي يبلغ حوالي 100.000 جندي على الأرض لا يستطيع أن يجلب الاستقرار لأفغانستان، فما الذي يجعل أي شخص يعتقد أن التدخل الأمريكي في سوريا مثلا سيغير ذلك البلد؟
إن القول بأن الولايات المتحدة لديها مصالح في كل مكان وتستطيع التأثير في المسار السياسي للدول الأخرى أصبح تشجيعا لحسابات خاطئة متغطرسة متتالية – من فيتنام إلى العراق إلى أفغانستان. وأوباما الذي ارتكب حماقة بزيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان بـ30.000 جندي في 2009 ليس حصينا من الضغوط السياسية. بعد خمس سنوات، يبدو أنه يميل أكثر إلى مسايرة ما يريده الناخبون الذين لا مصلحة لهم بالبحث عن وحوش جديدة حول العالم للقضاء عليها.
هذا لا يعني أن القوة الأمريكية لا قيمة لها، لكن هناك قيودا جدية حول مدى فعالية ممارسة تلك القوة – وهناك نتائج خطيرة حين تطبيقها بشكل خاطئ. بهذا المعنى، ما يقال عنه غالبا أنه تراجع أو انسحاب أو دعوة للعزلة، إنما هو في الواقع ضبط النفس وبراغماتية على المسرح الدولي؛ اعتراف بحدود القوة الأمريكية؛ ملاحظة أن الشعب الأمريكي تعب من المغامرات الخارجية الخاطئة؛ وفهم أنه حتى أفضل النوايا الأمريكية يمكن أن تقود إلى أسوأ النتائج الممكنة.