الصراع بين التيار «التنويري» والتيار «المحافظ» ممتد منذ زمن بعيد، ولا يزال هذا الصراع موجوداً ليس في بلادنا العربية وحسب، بل في بلاد أخرى كثيرة، منها دول في العالم الأول، وكان هذا خاصة في العصور الوسطى المليئة بقصص كثيرة لعلماء ومفكرين وكتاب تم إقصاؤهم وسجنهم، بل إعدامهم بسبب أفكار مرفوضة آنذاك من التيارات المحافظة ذات النفوذ في تلك الحقبة. والقصة الأشهر تعود للعالم الفلكي الإيطالي «جاليليو» الذي أمرت الكنيسة «الكاثوليكية» بإعدامه بسبب أنه قال بـ»كروية» الأرض، وإنها ليست «مسطحة»، وهو الأمر الذي اُعتبر «كفراً» و»زندقة» آنذاك، وتم سجنه، وبعد رفضه التراجع عن قوله أُعدم. وقبل سنوات أُجبر «بابا الفاتيكان» على الاعتذار رسمياً لعائلة العالم الفلكي الكبير «جاليليو» الذي تأثر بأبحاث ابن الهيثم وغيره من العلماء المسلمين الأفذاذ الذين كانوا يمثلون وجهاً مضيئاً للإسلام الحقيقي، الدين السمح الذي يؤمن بالعلم والإتقان، ويؤمن بأن الأصل في الأشياء «الإباحة» وليس «التحريم».
تاريخنا المحلي الحديث حافل بقصص الصراع بين التيارين، بدءاً من قصة تحريم «المذياع» الذي كان الظن أن به «روحا شريرة» تتكلم وتحاكي الأصوات، مروراً بتحريم «الدراجة» التي كان يقال عنها إنها «جني» يدور ويتحرك، ومن ثم محاربة «التلفاز» الذي تهجم على مبناه في الرياض في بداياته كثيرون بهدف تحطيمه، وكذلك الأمر مع تعليم «الفتيات» الذي كان أمراً مرفوضاً مكروهاً وقامت حوله مناظرات أدبية شهيرة كان أبطالها تنويريين حقيقيين دافعوا بشجاعة عن حق تعليم المرأة آنذاك. وبعدها استمر الشد والجذب على «الفضائيات» و»الدشات» و»الغناء» و»لعب كرة القدم» وغيرها الكثير من مناحي الحياة. وصولاً لقضايا «الابتعاث الخارجي» و»السينما» و»قيادة المرأة» و»عمل المرأة» في المحلات و»رياضة المرأة» وتحديداً مشاركتها في الألعاب الأولمبية الأخيرة ورياضة الفتيات في المدارس.
وكانت الحجة دائماً تكمن في «سد الذرائع»، أو بمعنى آخر كما يقول المثل الشعبي: «الباب الذي يأتي منه الريح سده واستريح»، والحقيقة أن هذا المبدأ صحيح، ولكنه قد يفوت فرص نجاحات كبيرة إذا لم يكن فقه الواقع حاضرا في ذهنية من يتخذه، فعمل المرأة في المحلات لا شك أنه أفرز بعض المشاكل ولكنه فتح باب الرزق لكثير من الأسر المحتاجة في السعودية، وكذلك ابتعاث المرأة أتاح المجال لبروز نماذج مضيئة لسعوديات تمكنّ من الحصول على جوائز عالمية في مجالاتهن، وكذلك رياضة المرأة التي كانت شيئا من المحظورات بات المجتمع الآن ينتظرها بفارغ الصبر بعد أن باتت المرأة السعودية تعاني من السمنة وارتفاع السكر والضغط. نعم ربما تظهر بعض السلبيات ليس لتطبيق قرار الرياضة المدرسية للفتيات فحسب، بل لأي قرار، ولكن كل القرارات التي تعد إيجابياتها أكثر من سلبياتها يجب أن تطبق بإرادة تعرف أين تكمن المصلحة العامة وكيف تجلب المنافع على المدى البعيد والدائم، قبل التفكير في سد الذرائع على المدى القصير فقط.