وسائل الاتصال الحديثة، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الجوال، باتت مصدرا لبث الشائعات وتهويل التافهات، وبإمكان الشخص أن يبث شائعة لتبلغ الآفاق في ثوان معدودة.
والأعجب أن البعض لا يكتفي بنشر ما يرد إليه، مع مقدمة بغيضة تنص على: «كما وردني» أو غيرها من العبارات التي تفيد بأن الشخص مجرد ناقل، أو بالأصح مشيع لكل ما يرده من رسائل، وإن كانت تحوي فضائح أو قبائح، ولكن يزيد عليها قليلا، وهكذا يؤول حال من بعده إلى أن تصبح رسالة مطولة مملّة.
وما يجري حاليا في مجتمعنا من تبادل رسائل حول فيروس كورونا يصلح أن يُقدّم كمثال على ذلك، فالناس بمجرد وصول رسالة لهم تحوي تحذيرا من الذهاب لمستشفى معين سواء كان حكوميا أو أهليا، يتبادلونها بشكل سريع جدا، إلى درجة أنها تردك بشكل متكرر ومن عدة أشخاص أو منتديات وفي تتابع عجيب، والساذج ربما يثق بها وبشكل سريع لكثرة متداوليها،
لكن يتبيّن الأمر بعد ذلك، وأنه مجرد تهويل وتلفيق عند إصدار بيان أو تصريح للناطق الإعلامي، وربما بلغ الأمر إلى أن يتحدث الوزير!
لكن المؤسف أن البيان يتأخر مما يجعل المتلقي يستسلم أحيانا لما يشاع، وهذه العملية تحتاج لمهنية إعلامية عالية يتم بموجبها الإفصاح عما يجري وبكل شفافية، بمواكبة لصيقة وفاعلة، حتى يزول اللبس وتظهر الحقيقة التي يثق فيها المتلقي، وحينها يتم نسف كل تلك الشائعات، في تأكيد تام على عدم ثبوت صحتها، وهنا يأتي الدور الحكيم في إدارة الأزمات.
نعم مر على المواطن عدد من تلك الأزمات ابتداء من عالم الإنفلونزا (الطيور والخنازير)، ومرورا ببعض الجنون (جنون البقر)، ووصولا إلى فيروس كورونا، ولكن المفترض هو مراجعة الطرق التي تمت من خلالها معالجة تلك الأزمات -إن صحت التسمية- وإلا فإن المفترض هو اعتبارها مجرد محطات عابرة، واستخلاص النتائج، وهنا أرجو من القائمين على وزارة الصحة إعادة النظر في الإجراءات المتخذة ومن ذلك:
مشاهدة الجميع لأدوات التعقيم بشكل موقت، فهي توجد وتختفي، وهذا في حد ذاته خلل، حتى إن بعض غرف العناية المركزة بات الدخول إليها كدخول الغرف العادية، مع أن مريض العناية مهيأ لالتقاط العدوى بشكل أكبر نظرا لضعف مناعته.
وكذلك الحال لأوضاع المستشفى، وقد نشرت الصحف صورا لمستشفى حكومي شهير وقد أخليت غرف العناية المركزة لتعقيمها، وهنا أتساءل: لماذا لا يكون التعقيم على مدار العام؟
ومن المشاهد: الضعف الشديد في الجانب الاحترازي، فقد باتت مشاهد الأطباء وهم يخرجون بلباس العمليات أمرا معتادا، حتى بات المشاهد لا يفرّق بين لباس العمليات وغيره، وتعدد الألوان بات ظاهرة، وهو ما يستدعي الصرامة في اتخاذ قرارات وإجراءات عقابية لمنع ذلك وبشكل حازم.
دخلت الإبل معترك الكورونا، فمن طبيب يقول إنها السبب في ظهور وانتشار هذا الفيروس، إلى باحثة شهيرة تؤكد براءة الإبل منه بشكل مطلق، وأن المسؤولية تقع على وزارة الصحة لضعف التعقيم في مستشفياتها، وكذلك ضعف رقابتها على المستشفيات الخاصة في جانب التعقيم، وهنا وقفت المراكز البحثية في بلادنا موقف المشاهد، فهي لم تحرك ساكنا، ولم يبرز لها أي دور في التأكيد أو النفي.
والمفترض أن يكون للمراكز البحثية -كمركز الملك فيصل للأبحاث الملحق بالمستشفى التخصصي- والمختبرات المتخصصة دور بارز في مثل هذه الجوانب، في نفي أو إثبات ما يشاع هنا وهناك، كدور الإبل في كورونا، بدلا من الاجتهادات الشخصية للأطباء والباحثين، فمن نافلة القول أن ما يصدر عن جهة أو مركز معتمد يكون أكثر مصداقية وأدعى للقبول عند المجتمع بشكل عام، والمهتمين بشكل خاص.
بلغت الشائعات مبلغا رهيبا حتى وصلت إلى أن المدارس ستغلق، وستعلّق الدراسة بسبب هذا الفيروس، وبالتحديد في محافظة جدة، فجاءت تحركات سمو أمير منطقة مكة المكرمة ومعالي وزير الصحة في وقت جيد لطمأنة أبناء المجتمع والمقيمين على أن الوضع طبيعي جدا، ولا يستدعي القلق مطلقا، وهكذا يرجى أن يتحرك المسؤولون في كل الجهات المعنية فيقوموا بزيارات مماثلة، فالمجتمع يريد أن يرى المسؤول في قلب الحدث، لأن ذلك أدعى لطمأنينته بدلا من التصريح أو إصدار البيان (أرجو أن تكون الرسالة قد وصلت).