لن أحبس استيائي البالغ في صدري وأحجبه عنكم، لأن الاستدارة في وجه المصلحة العامة ليست سوى عظيم خيانة للمسؤولية الوطنية. ولن أنزوي بنفسي عن الحوار لممارسة صلاحيات النعامة وتطبيق سلوكها كما يفعل البعض، ومع كل هذا لا تتوقعوا مني أن أطرح الأسئلة وأجوبتها وأختصر عليكم المسافة.
في العموم لن أضيق صدوركم، وهذا ما أتمنى وأرغب فيه، غير أنني سأخبركم بما أراه مهما للطرح والمصارحة وأقول: إن البعض منا ممن تضع الدولة في ذممهم -على افتراض الأهلية والثقة- أمانة العمل التنفيذي، وتتوقع منهم في أعقاب نيلهم شرف الثقة تقديم الوفاء بالأمانة والالتزام بالواجب دون تردد يفاجئوننا مع الأيام بوقائع خشنة تلوي الأسئلة ثم تطلقها في حالة غير طبيعية بعد تأثيث الواقع بما يشوهه.
انظروا إلى «انتهاك حقوق العاملين» في عدد من المنشآت، وافحصوا حجمه من خلال القضايا «المنتهية والمقيدة والمنظورة» لدى فروع ديوان المظالم واللجان العمالية الابتدائية منها والعليا -المتوقع في ظل الثقافة الإدارية السائدة أن تتنامى هذه القضايا وتستفز الرأي العام وتقلقه ما لم يتم التدخل السريع الحازم الموجه لوضع الأمور في نصابها.
وفي السياق واجهوا هذ السؤال بما شئتم: لماذا يعمد بعض المسؤولين إلى التلاعب بحقوق العاملين أو انتهاكها، وهم في الأصل معنيون بتحقيق العدالة، وجلهم برك لحمل قسم عظيم للقيام بواجب الوظيفة وأمانتها، بما في ذلك تحقيق العدالة وصون الحقوق وحفظ كرامة الإنسان التي لا تتحقق في ظل انتهاك حقوقه؟ السؤال في ضوء الحاصل مشروع، ويحتمل أكثر من إجابة مفتوحة على أكثر من تفسير. ولا أجانب الصواب إن قلت إن جل الاحتمالات تميل إلى الشك في حسن النوايا من ناحية، وإلى الشك في أهلية بعض المسؤولين من ناحية أخرى، مما يضع على عاتق الجهات المختصة حتمية المواجهة، بعيدا عن التماس عذر عدم الدراية والإلمام بالأنظمة –المخرج السري البغيض. اليوم في هيكل كل مصلحة حكومية أو خاصة، شؤون قانونية وإدارات مراجعة ومتابعة، يفترض أن يكون قوامها من أهل الاختصاص القانوني المكمل للاحتياج، والقادر على تبصير المسؤولين بما تلتبس الأمور حوله وبالذات مسائل الحقوق والعدالة.
على أية حال، يبقى السؤال المهم يدور باستمرار، وفي أعقابه استفهامات ساخنة لا تتوقف حول الأسباب الحقيقية الكامنة خلف عدم التقيد بـ»صرف مميزات أو بدلات سبق إقرارها من الدولة للعاملين»، وهذا من الأمثلة التي يمكن طرحها في هذا المقام. ما الغرض من دفع الناس فرادى وجماعات للتقاضي ورفع الدعوى تلو الأخرى ضد جهات حكومية للحصول على حقوق وظيفية مشروعة في الأصل؟ لماذا تُشغل دوائر القضاء بأمور نهاياتها معروفة؟ أسئلة محيرة، والحيرة أكثر فأكثر في التملص من التنفيذ أحيانا. لقد جرت العادة أن يمر التنفيذ بمراحل من التسويف إلا فيما ندر، وهذه مشكلة أخرى.
أخيرا: لماذا لا يستفاد من منطوق الأحكام القضائية لتسري لاحقا على كل من ينطبق الحكم على حالته أو وضعه من العاملين الآخرين الذين لم يتسن لهم لأي سبب الترافع مع زملائهم لاسترداد حقوقهم؟ ولماذا يحصر استرداد الحق المشروع في النهاية فيمن تقدم بالدعوى وحصل على الحكم، ويستثنى الآخرون من المشمولين على الرغم من أحقيتهم قبل الأحكام وبعدها؟
أليس في ذلك إثارة للآخرين لتكرار الشكاوى، وإشغال المراجع في مسائل حقوقية واجبة بحكم النظام، ولا تستدعي التقاضي في الأساس؟ أسئلة لا تنتهي، ومسؤولون بعضهم يبددون جهود الدولة بسوء أفعالهم التي أتمنى ألا يكون فيها شيء يسير في الظلام لغرض في نفس يعقوب، أو أكثر من يعقوب!