أبوبكر البغدادي خليفة داعش، وحسن نصرالله أمين حزب الله هما – رغم اختلافهما الظاهري - وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يعتبر نفسه صاحب مشروع لهدم ما هو قائم حاليا على الأرض من دول عربية وإسلامية، وبناء الدولة الإسلامية الكبرى، التي يسميها البغدادي الخلافة، وينتحل لنفسه فيها لقب الخليفة، ويسميها نصر الله الإمامة، ويمنح نفسه فيها لقب (سيد المقاومة).
هما رجلان يمزج كل منهما في نفسه طموح الفقيه الديني، والزعيم السياسي، والقائد العسكري، ويعتبر كل منهما أن من يخالفونه الرأي هم ليسوا فقط خصوما لمشروعه السياسي، بل هم أعداء الله، وحلفاء لإسرائيل وأنصارها من الطغاة! وهكذا يمتنع الدخول في حوار مع الرجلين، ولا يمكن إلا أن نكيل المدح لهما – كما فعل غسان بن جدو في لقائه الأخير بنصر الله - أو أن نبوء بلعناتهما، وربما برصاص رجالهما، أو بمتفجرات تُزرع في بيوتنا أو على طريق مرورنا!الاختلاف مستحيل إذن مع حسن نصرالله ومع أبي بكر البغدادي، لأنهما يلبسان عباءة القداسة السماوية، رغم ترويجهما لمشروع سياسي أرضي، وهكذا استطاع الرجلان بدهاء نادر المثال أن يقمعا كل صوت معارض، وأن يتخلصا من خصومهما، بمجرد ادعاء أن هؤلاء الخصوم هم خصوم العقيدة.
إن الخلط العمدي بين الديني والسياسي للحصول على الحصانة الدينية للفكرة السياسية، ليس وحده ما يجمع نصر الله والبغدادي، بل إن أهم الملامح المشتركة في شخصيتيهما تتمثل في اقتناعهما العميق بأن (الأمة) كلها معهما، وأن العرب والمسلمين يصطفون وراء مشروعي الخليفة والسيد، اصطفافا لا نقاش فيه ولا مهادنة، وأن الحكام (الطغاة) هم الذين يحولون بقمعهم، بين شعوبهم وبين التدفق لممارسة الجهاد مع داعش، أو لممارسة المقاومة مع حزب الله!وهذا ما يسميه علماء النفس المحدثون بالضلالات المزمنة، تلك التي تُغرق المصاب بها في عالم من صنع ذهنه المريض، وتعزله عن العالم الواقعي من حوله، لأسباب قد يكون أهمها أن الواقع مؤلم بالنسبة له، ولا يحقق له الصورة المثالية عن موقعه فيه، وبدلا من الانتحار، يعمد الذهن إلى بناء عالم داخلي يحقق لصاحبه كل أمنياته بلا استثناء، ويكون تشبث المرضى بهذا العالم الخيالي المختلق هو نفس تشبثهم بالحياة.
والمرعب هنا أن تلك الشخصيات المريضة بالوهم كالبغدادي ونصرالله، يصعب شفاؤها، إلى حد ضرورة حبسها في المصحات العقلية المتخصصة، لكي يكفي المجتمع نفسه شرور انحرافاتها النفسية، فما بالكم إن كان هذان المريضان يملكان القوة على تحريك المسلحين والانتحاريين، وبث القنابل الغادرة هنا وهناك لاغتيال المعارضين؟! ويعن لي أحيانا أن البشرية كانت تستطيع حقن دماء ستين مليونا من الضحايا الذين راحوا في خضم الحرب العالمية الثانية، لو كانت هناك قوة قادرة على حبس أدولف هتلر في إحدى المصحات النفسية المعزولة في جبال الألب، فور أن بدأ يتحدث علنا عن السمو العرقي للجنس الآري، وعن انحطاط أجناس البشر الأخرى، وعن إمبراطورية الرايخ التي ستدوم ألف عام بالحديد والنار!ويا ليتنا نستطيع الآن حبس البغدادي ونصرالله في غرفة واحدة بمصحة نفسية نائية، ونتركهما معا يصفيان حسابات جنونهما، حتى الرمق الأخير، على أن يكفينا الله شر ضلالاتهما المدمرة!إن الإشارة الخبيثة التي صدرت عن الأمين العام لحزب الله اللبناني خلال حديثه الاحتفالي بمناسبة ذكرى ميلاد الرسول الكريم، والتي قرن فيها بين المشروع الصهيوني لفلسطين وعلاقة مملكة البحرين بالمملكة العربية السعودية.
هذه الإشارة وحدها تكفي دليلا على الخلل النفسعقلي الحاد العنيف الذي يعاني منه الرجل، وهو خلل مشابه تماما لما يمكن رصده في خطب الجمعة التي يلقيها (الخليفة) البغدادي على رعيته، ويعدهم خلالها بتحرير الأندلس، وبفتح الصين والهند وسان فرانسيسكو.
هذان رجلان متماثلا المرض، ومن حقهما علينا إدخالهما مصحة العلاج، فهذا رحمة بهما وبأنفسنا، وتركهما هكذا يعانيان أعراض الضلالات ليس من الإنسانية في شيء!