يقال لوالدها بعبع، وتدعى أمها هيمة، شهد زقاق الخنجي الملاصق غربا لقصبة الهنود، وشرقا لبيت بادكوك القديم بجدة ولادتها، فهي الابنة الأولى لهما، ولأنها نجت بأعجوبة وصفت حياتها في الكتب والروايات بالخرافية، زوجها أبواها رغما عنها، وردا على ما أُرغمت عليه تمردت وخلعت زوجها حتى انتقلت من كنف أسرتها وأصبحت هائمة في الأزقة والممرات الضيقة.
«الدجيرة» أو مليحة من الجان، تلك العسرة المخاض، ذاع صيتها في الأزقة المكية، «بمتربصة الرجال»، فلا يكاد يلمحها رجل وهو في طريق ذهابه أو إيابه إلا وهام بها، وبحسب بعض الروايات فإنها لا تكتفي بحالة الافتتان التي توقعه بها، بل أيضا تترك بصمتها على جسده.
تبدو الدجيرة في هيئتها كسيدة من سيدات البلد المحافظات، يحجب جمالها برقعها المنسوج بحكمة، بحيث لا تظهر منه سوى عينيها الدعجاوين، ومن باطن عباءتها، تخفي مفاتنها «الكرتة» والسروال المصري أو الحلبي.
البقشة التي تعلو رأسها، رصاصة سامة، تطلقها على كل العابرين المغمورين بالشهامة، فحين يمد لها أحدهم يد العون، مقتنصا الفرصة للتقرب منها، لا يسعها إلا أن تطلب منه وبكل ما أوتيت من غنج، حمل البقشة عنها، لتبدأ من بين سهام خلخالها بالدلال والغنج.
وفي حين تطلق العنان لضحكتها المخيفة، يغازل الهلع قلب «حامل بقشتها»، وعند شروعه في الاستعداد للنفاد من غوايتها، تُغيب عنه السبيل للهرب من بين براثن مكرها، ليصل في غمرة ارتعاده إلى أعلى معدلات الرعب، حينها وكما يقول المثل «فص ملح وذاب»، تختفي «الدجيرة» ، إلا أنها تترك خلفها جثة هامدة، أو عقلا متناثرا على قارعة الأزقة الضيقة.
هذه الخرافة التي نالت القدر الأكبر من الانتشار، وتحديدا ما أكسبها الشهرة ظهورها بعد منتصف الليل وتربصها بالمتجولين في الأزقة، استغلها الآباء والأمهات لإثارة الرعب في قلوب أبنائهم، وذلك لردعهم عن الجلوس خارج المنزل حتى ساعة متأخرة من الليل.
والصديقة مصر أيضا أدرجتها في قاموسها المخصص «للتخويف»، حيث تعرف «الدجيرة» بالنداهة بينما يقال عنها في المغرب «عيشة قنديشة « وفي بعض مناطق السعودية بأم الصبيان، وقال عنها الشاعر أحمد قنديل:
قفوا عند الزقاق إذا أتيتم
إلى الخنجي وقد حبك الظلام
تروا دجيرتي الحسناء دارت
هنالك حيث فاض بها الغرام
مليحة الرعب دجيرة
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
