تمثل محاكمة نجلي الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، الساعدي وسيف الإسلام ومعهما 30 من أركان النظام السابق، اختبارا كبيرا للتحول نحو الديموقراطية، التي طالبت بها الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 17 فبراير 2011. ولكن بالنظر إلى أركان المحاكمة، التي أرادها المسؤولون لتحسين صورة الدولة الفاشلة، نجد أنها كانت دليلا جديدا على هلامية هذه الدولة وضعف مفاصلها. فقد غاب نجلا القذافي عن المحاكمة، بدعوى أن الساعدي لم تنته التحقيقات معه رغم تسلمه من النيجر منذ أكثر من شهر، فيما يقبع سيف الإسلام في حضن ميليشيا مسلحة في الزنتان غرب البلاد، ترفض تسليمه للسلطات.
ليبيا بعد القذافي أصبحت اليوم بؤرة خطرة لتصدير الإرهاب إلى 14 دولة مجاورة كما أفاد تقرير للأمم المتحدة من قبل. وأكد ذلك وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بقوله إن الجنوب الليبي أصبح «وكر أفاع» يتطلب حشدا دوليا للقضاء عليه قبل أن يستفحل خطره. هذه الصورة نتيجة طبيعية لصراع المؤسسات على الحكم، الذي أضاع هيبة الدولة أمام المليشيات المسلحة، وينذر بولادة دوليات صغيرة، مثلما أعلنت برقة من انتخاب مجلس للشيوخ تمهيدا للانفصال أو لتأسيس فيدرالية ليبية. وبرقة إقليم يضم مدينة بنغازي ثاني أكبر مدن البلاد بعد طرابلس، وتعد مهد الثورة ضد حكم القذافي، كما تمثل أهمية كبيرة بالنسبة لاقتصاد البلاد الذي يعتمد على منتج وحيد، هو النفط والغاز.
الدكتاتورية في ليبيا ما زالت متحكمة بمفاصل الدولة، فقد تحولت من دكتاتورية فرد في عهد القذافي إلى دكتاتورية مؤسسة ممثلة في المؤتمر الوطني الليبي العام، الذي يقوده نوري أبوسهمين. فقد نجح المؤتمر الذي تتحكم فيه تيارات إسلامية، في السيطرة على شؤون البلاد، مما أضعف من قدرات السلطة التنفيذية، بل وضعها في حالة عدم استقرار مستمر. ولعل استقالة رئيس الحكومة عبدالله الثني بعد أيام من تكليفه بتشكيل حكومة جديدة خلفا للرئيس السابق علي زيدان الذي فر هاربا، تعد مثالا واضحا على ذلك.
الاستقرار السياسي وتأسيس دولة مؤسسات، لا ينتج من تصريحات جوفاء وتشدق بالديموقراطية، إنما بعمل جماعي نابع من رؤية مخلصة لصالح البلاد. وفي النموذج الليبي كم من الجرائم ترتكب باسم الديموقراطية!