لم تعد تنحصر مهمة التلفزيون كأداة اتصال في عصر التقدم العلمي والتكنولوجي، في كونه أداة للتسجيل ووصف الأحداث المحلية والدولية، أو في كونه مجرد وسيلة لنقل الأخبار المصورة، بل في قدرته على الإقناع والتأثير والسيطرة وكونه قوة لا يستهان بها تدخل في مجال «إعادة صياغة الإنسان». كثير من الفضائيات العربية الآن تعيش على السوق السعودية، من خلال دخولات إعلانية قائمة على نسبة المشاهدة في السعودية، وبما أن السوق السعودي مستهدف من الإعلان، وهو الدخل الأساسي للإعلام، كان لا بد من تعزيز ذلك بإنشاء بنية تحتية على غرار القرى الإعلامية العربية والعالمية.

في الأسبوع الماضي زفت لنا الصحف المحلية خبر إنشاء وتشغيل منصة إعلامية للبث الفضائي في الرياض تحت إشراف وزارة الثقافة والإعلام لتكون نقطة انطلاق بث القنوات بمحتواها الكامل من المملكة بدلاً من الشتات الحالي المتمثل في بث بعض القنوات السعودية من خارج أرض الوطن. في الحقيقة أن جميع الوسط الإعلامي رقص فرحاً لهذا الخبر، بعد أن طالب في سنوات ماضية بضرورة لم هذا الشتات وأن يكون «سمننا في دقيقنا» بدلاً من تغذية القرى الإعلامية العربية الأخرى. كثير من المبادرات قدمت من قبل مجموعة من المستثمرين في قطاع الإعلام الفضائي على فترات متفاوتة لإنشاء مدينة إعلامية، لكن في كل مرة يتعثر المشروع ويجهض دون معرفة أسباب ذلك. إن أهمية إقامة مثل هذه المنصة تكمن في فتح آفاق جديدة تسهم في بلورة وتطور إنتاج المحتوى بكل أشكاله بعد أن عانينا وما زلنا نعاني من ضعف الإنتاج من ناحية تقنية وإخراجية. على الرغم من أننا نحظى بزخم كبير من المواضيع «الدسمة» التي تحرص كل القنوات المحلية والخارجية على تناولها وتغطيتها، وذلك لعدة اعتبارات أهما: مكانة المملكة الإستراتيجة في المنطقة. كما أن المشاهد السعودي متابع بدرجة عالية، ولديه تفاعل نشط مع كل البرامج مما جعل القنوات الفضائية حريصة كل الحرص على هذا المشاهد، فهو مرتبط ارتباطا قويا بالشركات الإعلانية، كما أشرنا إليه في مقدمة المقال. ومن المعروف، عند صناع القنوات الفضائية في العالم العربي أن هناك جمهورين مهمين: الجمهور «المصري» و»السعودي»، إذا ما استطاعوا الاستحواذ على واحد منهما، كتب لقنواتهم الربح والنجاح.

نعود إلى أهمية قوة وضعف جودة إنتاج البرامج السعودية وسوف أضع مقارنة بين البنية التحتية الموجودة في مصر والسعودية ولنأخذ على سبيل المثال المجموعة المتميزة «MBC». عندما أرادت هذه المجموعة إنشاء قناة خاصة لها في مصر، وجدت منافسة شرسة من القنوات المصرية من ناحية جودة الإنتاج وضخامته، مما جعلها تدفع مبالغ طائلة حتى تكون في أجواء المنافسة، ولا نستطيع الآن تقييم ما إذا نجحت هناك أم فشلت، لكن بالتأكيد عاشت وما زالت تعيش أجواء المنافسة والتحدي، وفي الأخير سوف يصب لصالح تطور الإعلام المصري، وهذا مؤشر واضح لوجود بنية تحتية مهيأة للإنتاج. لكن على النقيض الآخر مجموعة «MBC» الآن تضخ برامج سعودية المحتوى تماماً، ولكنها من وجهة نظري تدخل بإمكانات وميزانيات أقل، مع التزامها بجودة الإنتاج، لماذا؟ لأن المنافسة أقل بكثير من الحاصل في مصر، فالقنوات السعودية الأخرى ما زال لديها ضعف شديد من ناحية جودة الإنتاج، ولا أقصد هنا «المحتوى» فقط، إنما الإنتاج بكل عوامل نجاحه، من استديوهات مجهزة بتقنية عالية إلى كوادر محترفة، انتهاء بتقديم صورة إخراجية بجودة فائقة تجذب المشاهد. وإذا أرت المقارنة والتمعن فشاهد استديوهات برامج ما يسمى بـ»Talk show» في «مصر» وقارنها بمثيلتها في «السعودية» سوف تجد الفرق كبير جداً. وللإحاطة فإن غالبية القنوات السعودية توكل مهمة إنتاج برامجها إلى شركات إنتاج للأسف إمكاناتها متواضعة جداً، والبرهان على ذلك أن غالبية هذه الشركات تقطن في فلل أو شقق مستأجرة، بمعنى أنها استخدمت المجلس «استديو» و»المقلط» غرفة كنترول! السؤال الأخير في نهاية هذا المقال؛ هل سوف تعود القنوات السعودية المهاجرة إذا ما تم تنفيذ بناء مشروع مدينة إعلامية متكاملة للبث الفضائي؟ قد تعود، ولكن هناك شروط وطلبات لهذه القنوات سوف نتحدث عنها في المقال القادم، إن شاء الله.