ظن الجميع أننا مجنونان عندما قلنا إننا ذاهبان إلى الأراضي الفلسطينية بحثا عن الكوميديا. هل تقصدان المنطقة التي مزقتها الحرب التي تخضع للاحتلال الإسرائيلي منذ عقود؟ المكان الذي يذكر بالانتحاريين وعمليات الاقتحام التي قوم بها الجيش الإسرائيلي؟ كانوا يسخرون منا قائلين أن الأمر سيكون مضحكا بالفعل.
لكن ذلك ما اكتشفناه فعلا خلال تنقلنا في الضفة الغربية: الكثير من الكوميديا. في مقهى مزدحم في رام الله، التقينا شابة كانت ترى أن من المضحك أن والديها أطلقوا عليها اسم «حرية زيادة». وفي جامعة بير زيت علمنا أن المختص بعلوم الإنسان شريف كناعنة كرس حياته المهنية لجمع وأرشفة آلاف النكات الفلسطينية التي سمعها. وفي مقهى آخر قال لنا شبان كانوا يشتركون في تدخين الشيشة إن الفلسطينيين يقيسون باستمرار مكانهم في سلم الكوميديا العربية. هم يعتقدون أنهم أقل مرحا من مصر، البلد المليء بالذين يطلقون النكات لدرجة أن وحدة خاصة في الاستخبارات كانت تراقب النكات الهادفة حول الحكومة. لكن الفلسطينيين متأكدون أنهم أكثر مرحا من الأردن. قال لي أحدهم: «هل سمعت النكتة حول رجل الأعمال الأردني؟ كل صباح قبل الذهاب إلى العمل يرتدي قميصه وربطة عنقه ووجهه الغاضب».
فيما بعد، تعرفنا على الممثل الكوميدي عدي خليفة الذي يدعي أنه أكثر شخص مضحك في الناصرة. وفي النهاية التقينا بأبطال «وطن الوتر»، وهو أول مسلسل تلفزيوني فلسطيني سياسي ساخر. بالرغم من أن المسلسل يعرض على التلفزيون الرسمي، لم يكن أحد ينجو من الانتقادات: القادة الفلسطينيون، المفاوضون الإسرائيليون، باراك أوباما، أسامة بن لادن. في أحد المشاهد مثلا، يعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس الثالث عشر عن توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل بعد 500 عام من الآن. في 2010، وجد استطلاع للرأي أن 60% من سكان الضفة الغربية الذين شاهدوا «وطن الوتر» أعجبوا به –وهي نسبة تفوق نسبة تأييد أي من الأحزاب السياسية الفلسطينية.
لم نُفاجأ عندما وجدنا الكوميديا منتشرة في الضفة الغربية. ذلك لأننا نؤمن بنظرية «الانتهاك الحميد»، وهي نظرية جديدة تفسر ما يجعل الأشياء مضحكة يقوم أحدنا، الأكاديمي بيتر ماكجرو، بتطويرها مع كاليب وارن، وهو أستاذ في جامعة تكساس. بحسب النظرية، ينشأ المرح فقط عندما يبدو شيء ما خاطئا أو مصدرا للتهديد لكنه في نفس الوقت يعتبر طبيعيا وآمنا. جميع أنواع المرح يبدو أنها تناسب هذه النظرية، وهي تفسر السبب الذي جعلنا نجد الكثير من المرح في الأراضي الفلسطينية: مكان مليء بالانتهاكات بانتظار صانع نكات يجعلها طبيعية.
من الواضح من تاريخ الكوميديا أن الكثير من الضحك يمكن استخراجه من المشاكل والاضطرابات. ذلك هو سبب وجود الكثير من القصص عن نشوء المرح في المعسكرات النازية. مارك توين فهم هذه الظاهرة بشكل جيد؛ وقد قال مرة: «المصدر الرئيسي للمرح ليس الفرح ولكن الحزن.»
لكن الحزن والمشاكل كانت لها تبعات أكثر بكثير من مجرد كونها السبب في ظهور كثير من الكوميديا في الضفة الغربية؛ مثل هذه الظروف حددت جوهر المرح الفلسطيني. النكات التي اكتشفناها كانت معظمها سوداء، تهكمية، وفيها الكثير من إنكار الذات.
بعبارة أخرى، يمكن القول أن هذه النكات هي ما يعتبره الناس «النكات اليهودية»، ذلك النوع من النكات التي ارتبطت مع أشخاص كوميديين يعتمدون على السخرية من الذات مثل الممثل المعروف وودي ألان ولاري دافيد، بالإضافة إلى كثيرين من صانعي النكات اليهود الذين سيطروا على المشهد الكوميدي الأمريكي منذ فترة طويلة. وكانت مجلة تايم الأمريكية قد ذكرت في أحد مقالاتها عام 1979 أن اليهود، رغم أنهم لا يشكلون سوى 3% من إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة، إلا أن الممثلين الكوميديين اليهود يمثلون 80% من إجمالي الكوميديين الأمريكيين.
عندما يفكر المرء بالأمر، فإن من المنطقي جدا أن يستخدم اليهود والفلسطينيون مقاربات متشابهة في تعاملهم مع الكوميديا. كلا الثقافتين عانتا من ظروف قاسية، ولذلك من الطبيعي أن يلتفتوا أحيانا إلى المرح كعلاج نفسي، نوع من الحفاظ على الذات. وقد تعلموا على انتقاد أنفسهم والسخرية من أوضاعهم حتى لا يتركوا فرصة للعدو كي يفعل ذلك.
هل الاشتراك في نفس النوع من روح الدعابة يكفي لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني بشكل نهائي؟ بالتأكيد لا، لكن بضع ضحكات مشتركة هي خطوة في الطريق الصحيح.
البحث عن المرح في الضفة الغربية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
