في إحدى المشاركات المحلية على مستوى المبتكرين السعوديين قدم أحد متدربي معهد صناعي اختراعه للمسابقة وخرج منها دون أن يحقق أي نتيجة على مستوى المملكة.
هذه المشاركة تم اختيارها من قبل المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني التي يتبع لها المعهد الصناعي بنجران، والذي يتدرب فيه الطالب هدران اليامي صاحب الاختراع.
الاختراع عبارة عن مظلة متنقلة تتضمن مروحة تبريد وشحنا لأجهزة الجوال، وتخزن الطاقة، ومصباحا ضوئيا لاستخدامه في الأماكن المظلمة، يقول عنها هدران بأن الفكرة «نتجت من خلال تجربة له في موسم الحج والتفكير في الاستفادة من الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية) والتي تتعرض لها المظلة لتحويلها إلى طاقة كهربائية تخزن في بطاريات وتشغل أجهزة منخفضة الجهد».
الغريب بالموضوع أن الابتكار الذي لم يرشح لأي جائزة محلية فاز بجائزتين، الأولى الميدالية الذهبية مع مرتبة الشرف على مستوى المشاركات الدولية، والثانية هي جائزة «الوايبو» العالمية الذهبية، وهو السعودي الوحيد الذي حصل على هذه الجائزة خلال هذه المشاركة الدولية.
لماذا فاز هذا الاختراع بجائزتين دوليتين وأخفق في جائزة محلية؟
غياب المؤسسات والكفاءات المحلية على مستوى الإبداع والابتكار جزء من إجابة مثل هذا السؤال، عدم الكفاءة لا يعني عدم وجود كفاءات سعودية مطلقاً، لكن من هم المسؤولون عن المشاريع والمناسبات التي تشجع وتحفز على الابتكار واللجان التي تقيّم، وما هي المؤهلات ومعايير التقييم، ومن هم الأشخاص وما هي قدراتهم وحدود معرفتهم ولماذا هم بالذات، الذين وقعوا في مأزق استبعاد مبتكِر وابتكاره محلياً ليحصل على هذا الشرف الدولي؟
شخصياً هنا لا أقيّم هذا الابتكار، ومحرك البحث يطرح العديد من الابتكارات المتشابهة في هذا الحقل قام بها أفراد وشركات رغم الاختلافات، لكنها لم تطرح على المستوى التجاري حتى الآن حسب المصادر التي نشرت أخبار الاختراعات التي يمكن الاستفادة منها على مستوى أجهزة الاتصال وتوفير الطاقة والاستفادة من الطاقة الشمسية (بالمناسبة لدينا شموس يمكن أن تغذي العالم بالطاقة لكي لا ننسى).
إلى أي مدى نجحنا محلياً في تشجيع الابتكار، وهل استطعنا الاستفادة منه محلياً وعالمياً؟ وما مدى إمكانية الاستفادة من الظروف المناخية لابتكارات توفرها البيئة؟
يمكن لمحركات البحث أن تؤدي واجبات مثل تلك ويمكن أن يكون هناك إجابات لا نعلمها لدى المؤسسات المعنية بالابتكار والاختراع.
لكن المشهد السائد المعلن في الكثير من المواقع والذي يعلنه مخترعون ومبتكرون أن هناك قصوراً في تبني الأفكار الجديدة ودعمها، وأن هناك عوائق إجرائية في مجال الابتكار، تحديداً، ونشر والاستفادة من هذا الابتكار.
منذ إذاعة «طامي» وحتى آخر عقل مفكّر لم يقبله معهد أو جامعة أو مركز اختراع وابتكار، ونحن ندور في نفس الحلقة المفرغة، المبدع والمبتكر يشكو والمؤسسات إما تقلّل من شأنه أو تدافع عن نفسها.
هذه ليست محاولة للوم أي مؤسسة، بقدر ما هي محاولة للبحث عن إجابات أزلية حول علاقتنا بالابتكار والمعرفة والإبداع، تلك العلاقة التي تشعرنا بأننا متأخرون جداً رغم وجود الكفاءات ورغم كل الظروف التي تقول إن علينا علاج هذه المسافة قبل أن تصبح أبعد من احتمالية علاجها.
ماذا كان ينقص هدران محلياً وما الذي ميّزه دولياً؟
بالتأكيد ليست الشمس التي تطبخ أدمغتنا، ولا نقصها وقلتها التي تعاني منها الدول المتقدمة، إنه أمر أصعب من الإجابة عليه. والسكوت عنه يزيد الأمر تعقيداً.
العلاقة بين الابتكار والاهتمام والتشجيع والدعم والتبني، المساحة الواقعة بين كل ذلك على مستوى حرية التفكير والاختراع، مسح زجاج الخوف من أمام المشهد، إعادة التفكير باستراتيجية التعليم ودور المعلّم، التخطيط لبناء أجيال تخلصت من أعباء التلقين والحفظ.
نحن لسنا أقل، لكننا نجعل أنفسنا كذلك لخوفنا من المستقبل، خوفنا من الجديد والتفكير به، هذا التاريخ الذي وضعتنا أمامه مظلة، منذ أن تحركت مظلة هدران من الأحساء إلى جنيف.
فشكراً هدران أن وضعتنا هنا أمام أسئلتنا دون أن تتعمّد ذلك، لكنك فعلته بامتياز.