أصبحت تصرفات كثير من الناس اليوم لا تعكس صفاتهم الحقيقية فعلا، وأصبح التكلف هو الغالب الظاهر على حركاتهم وسكناتهم بل قد تجد أنهم يجعلون هذا التكلف من لوازم العقل والذوق الرفيع، وأنه هو ما يقتضيه (البرستيج) ومعناه تكلف الحالة الموافقة للظروف وللأشخاص الذين تلتقيهم. لذلك أصبح المرء يشعر في أحيان كثيرة أن الذي أمامه شخص آخر غير الذي يراه بعينيه بسبب غلبة روح التكلف على ظاهره، فلا الابتسامة فيها روح التلقائية الطبيعية الجميلة المحبوبة، وليست العبارة هي تلك العبارة السهلة العفوية في سياقها ولحظتها دون حسابات وتدقيق، ولا الحركات هي تلك التي تأتي على السجية والعادة وإنما تراها مغلفة بالتمظهر السامج، ولا مظاهر الإكرام والتودد هي تلك التي تفيض بالمحبة الحقيقية التي تشعر بها الروح من الروح حتى غدا المرء لا يدري معها هل هو أمام محب أو مبغض أو هو أمام صادق أو كاذب أو هو أمام ناصح أو محتال صاحب مصلحة، فإذا كنت صاحب حس مرهف ونفس شفافة فستصبح في هم وضيق كلما التقيت هذه الفئة من البشر وما أكثرها، وستبقى مريض الروح بمصاحبتهم ورؤيتهم، وستتجرع مرارة ذلك لضرورة أو مصلحة لابد منها، وسيكون هؤلاء عليك من أثقل الثقلاء وما أدراك ما الثقلاء، والمقصود أن التكلف إجمالا من الصفات المذمومة حتى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينفي هذه الصفة عن نفسه، قال تعالى «قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين» قال ابن المنذر: آية المتكلف ثلاث: يتكلم فيما لا يعلم، وينازل من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال. ومن صفات المتكلف التي لا تخفى أنه يمارس أدوارا متنوعة بحسب الحال والمقام وقد تكون متعارضة متناقضة وربما عد ذلك ذكاء ودهاء، وربما اعتبره من مميزاته ومناقبه مع كون ذلك من اللؤم والصفاقة في الحقيقة، فإذا تحول هذا التكلف إلى سمة غالبة في المجتمع يمارسه أكثرهم بلا حرج فاعلم أنه مجتمع مريض مسكون بالمظاهر الفارغة، وأنه لا يصلح لأمر جاد ولا ينتظر منه نهضة حقيقية، ما أجمل الوضوح وما أعذب البساطة وما أحلى العفوية حين تكون كلها في إطار حياء وذوق وأدب وكرم ورجولة ووفاء، وما أرقى الثبات على المواقف والصدق في المشاعر وفي العبارات وفي النظرات في زمن التكلف والتلون (والبرستيج) الفارغ.
هل نحن.. نحن؟!
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
