«ما بال الزمان يضن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم ويعملون بعزم ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون؟» (عبدالرحمن الكواكبي)
ترى العربي منا وقد انتفخت أوداجه غضباً على إسرائيل ومن أفعالها الشريرة الحقيرة.. (وعليك أن تكون متفاعلا يا قارئي الكريم وأن تبحث بنفسك في المعجم عن الأوداج ودلالة انتفاخها)، وهو غضبٌ ضارٍ شاملٌ لا مهادنة فيه ولا مساومة، وتزداد وتيرته كلما اقترفت الدولة العبرية اللقيطة جريمة جديدة في حق الفلسطينيين المدنيين العزل، أو قصفت لبنان، أو انفضح تجسسها الصفيق على هذه الدولة العربية أو تلك، إلى آخر القائمة الطويلة من القبائح والخطايا المصاحبة للاسم الرذيل إسرائيل.
لكن اللافت للانتباه حقا أننا -في غالب الأحوال- نعبر عن كراهيتنا المشروعة هذه بالكلام والإشارات والسمات، رغم أننا بالأفعال -وهي ما يُعول عليه العقلاء- نبدو وكأننا نحب إسرائيل، ونعمل لإرضائها وبث السرور في قلبها، رغم أنها كيان لا قلب له!
فإسرائيل تحب منا أن نشتمها بألسنتنا، وأن ندعو الله عليها بجُماع قلوبنا، شرط أن نظل قعوداً خاملين في مقاهينا، ومجالسنا، أمام أجهزة التليفزيون التي ما تنفك تبث إلى عقولنا المخدرة، الغثاء تلو الغثاء، وتحرض فينا نفس النوع السلبي من الغضب: الغضب الذي يشل ولا يحرك، يُنوم ولا يوقظ، غضب أوله كلام وآخره كلام!
إسرائيل تحب من الموظف العربي الانشغال بكراهيتها عن خدمة الناس، وتحب من المهندس العربي الانكباب على بغضها وليس على إتقان رسومه ومخططاته، ومن العالِم العربي تكريس وقته كله للعن إسرائيل بحيث لا يتبقى لمعمله ولتجاربه العلمية وقت ولا طاقة..
إسرائيل تطرب حينما ينشغل الجندي العربي عن تدريباته بتوجيه السُباب لها، وحين يكرس أهل الخطابة وأصحاب المنابر أحاديثهم الحماسية المُطولة لتعداد مخازي بني صهيون الملاعين، بدلا من حث الناس على العمل المبدع الخلاق للنهوض بأنفسهم وبأوطانهم.
إسرائيل تحب لنا الانشغال عن أنفسنا بكراهيتها، وهذا ما نفعله، فيا لسرورها بنا!
ولا توجد -في رأيي المتواضع- إلا طريقة (صحية) واحدة للتعبير عن سخطنا العربي الشامل، وغضبنا، وكرهنا لهذا الكيان السرطاني الغاصب: وهي تحويل تلك المشاعر السلبية كلها إلى طاقة إيجابية فاعلة منتجة بناءة.
نكره إسرائيل كراهية صحية حين نحب أوطاننا ونخدمها ونعمل لرفعتها بالأفكار المبتكرة وبالعلوم الحديثة وبإتقان تنفيذ ما نُكلف به من عمل..
نعبر عن غضبنا من وحشية إسرائيل بأن نخفض لمواطنينا العرب جناح الرحمة وأن نتعاطف معهم بالفعل لا بمجرد المشاعر الأخوية!. نحن نوجه سهما لقلب إسرائيل بمجرد كوننا مواطنين ومواطنات صالحين وصالحات.
الطالب العربي المجتهد يؤلم إسرائيل، والطبيب النابغ الذي لا يفوت مستحدثات علمه وينكب على تخفيف أوجاع أهله يؤذي إسرائيل، والأمثلة لا حصر لها، لكن الفكرة قد اتضحت فيما أرجو.
دون ذلك فنحن في الحقيقة لا نكره إسرائيل إلا بالقول بينما نحن نحبها ونخدم مصالحها بالفعل!
والمعادلة بسيطة: فكل لحظة ننفقها نحن العرب في الكسل والتراخي والتواكل والإهمال والسلبية والفساد والطغيان والغلظة والتفاهة وإهدار الوقت..هي لصالح إسرائيل، وكل لحظة نكرسها للعمل المنتج المبدع وللمحبة والسلام والتعاطف وصقل مهاراتنا، وكل تعامل بصدق وشرف ومودة، وكل علم نكتسبه وابتكار نحل به مشكلة من مشكلاتنا، كل ذلك ضد إسرائيل فاختر لنفسك.
ولتكن البداية بأن نعرف الحقيقة وهي أننا ما عاد يجمعنا حلم مشترك نحن العرب منذ هزيمة 1967 وحتى الآن، لا يجمعنا إلا كابوس مشترك، وكأن ما انكسر في تلك الأيام الستة، لا يمكن إصلاحه، أو أنه لم يجر إصلاحه بعد، إصلاحا يدفع الأمة لتجاوز صدمتها ويقنعها بأن الهزيمة ليست نهاية العالم، يقنع اللاوعي الجمعي لأربعمئة مليون عربي، انكسرت أجنحتهم، ويحتاجون لمن يقنعهم بأن التحليق ما يزال خيارا متاحا... غطينا على الطعنة بالكلام، لكنها ما تزال تمزق خواصرنا، وآن لنا أن نواجه الهزيمة القديمة الأليمة بأن نصنع لأنفسنا انتصارا في الحاضر والمستقبل بالعلم والعمل ومحبة العروبة والوطن.
الطريقة الصحية لكراهية الدولة العبرية!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
