كان من المفترض أن تظهر مجموعة العشرين خلال اجتماعها في واشنطن توافقا مطلقا، غير أن القوى الاقتصادية الكبرى في العالم كشفت خلف وحدة الصف الظاهرية عن انقسامات حول استراتيجيات النمو وإصلاح صندوق النقد الدولي.
وطبقا للتوقعات كان “النمو” الموضوع الطاغي على البيان الصادر عن وزراء مالية الدول العشرين، معبرا عن إرادة في دعم النشاط الاقتصادي وإنشاء وظائف لا يختلف عليها أي طرفين.
وأكد كبار المسؤولين الماليين في العالم في بيانهم الختامي على الهدف الذي حددوه في نهاية فبراير في سيدني، والقاضي بزيادة إجمالي الناتج الداخل العالمي بنسبة 2% خلال السنوات الخمس المقبلة، غير أن سبل تحقيق ذلك تبقى غامضة.
وظهرت انقسامات إلى العلن مع الحملة التي شنها وزير المالية الأسترالي، جو هوكي، الذي تتولى بلادة الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين.
وقال هوكي بنبرة حادة خلال مؤتمر صحفي “إن بعض الدول قدمت اقتراحات استعادت فيها مبادرات سبق وطرحت في مناسبات ماضية أو أعلن عنها من قبل”، معتبرا أن “استراتيجيات النمو الشاملة التي قدمتها البلدان بعد اجتماع سيدني لم تكن مناسبة”.
ورأى أنه من الضروري إجراء إصلاحات بنيوية “غير شعبية”، ولا سيما على صعيد المنافسة و”إزالة الضوابط”.
ودافعت كل دولة في واشنطن عن نموذجها، ساعية لإقناع شركائها بتبنيه، مجازفة في ذلك بكبح المجهود الجماعي المبذول.
وقال مصدر دبلوماسي “إننا بعيدون كل البعد عن المطلوب”.
وتميل أستراليا وبريطانيا وكذلك ألمانيا إلى اعتماد سياسة العرض القائمة على خفض الضرائب والتنظيمات.
وأبدى رئيس البنك المركزي الألماني (بوندسبنك) ينس فيدمان ارتياحه لكون المشاركين في الاجتماعات “شددوا على الإصلاحات البنيوية أكثر مما كان يحصل من قبل”.
وقال البريطاني جورج أوسبورن “إن الحاجة إلى إصلاحات بنيوية مشتركة لجميع الاقتصادات”، داعيا الدول الناشئة إلى “تعزيز أسسها الجوهرية”، غير إن الدول الناشئة لا ترضى بأن تملى عليها السياسات الواجب اعتمادها.
واعتبرت البرازيل أنه ينبغي الاهتمام أيضا بالطلب، واقترح وزير ماليتها، جيدو مانتيجا، زيادة الضرائب على ذوي الدخل العالي، موضحا أن طبقة متوسطة ميسورة أكثر ستسمح “بإعادة التوازن إلى الطلب العالمي”.
من جهة أخرى حذرت الدول الناشئة التي لا تزال تعاني من تبعات التقلبات المالية الأخيرة، من “مخاطر” تطبيع الوضع النقدي في الولايات المتحدة، غير أن مخاوفها لم تترجم في بيان مجموعة العشرين، وبذلك فإن الولايات المتحدة تفادت توجيه اتهام ضمني إليها بشأن الانعطافة التدريجية التي يعتمدها الاحتياطي الفدرالي، غير أنها لم تنج من موضوع خلافي آخر في مجموعة العشرين، هو التأخير في إصلاح صندوق النقد الدولي.
ويبقى هذا الإصلاح الرامي إلى مضاعفة موارد صندوق النقد الدولي وإعادة التوازن إليه لصالح الاقتصادات الناشئة، معلقا منذ أكثر من سنتين بموافقة من الكونجرس الأمريكي تصطدم بمعارضة الأعضاء الجمهوريين فيه.
وما يزيد من الاستياء حيال هذا التأخير أن الولايات المتحدة دفعت صندوق النقد الدولي إلى لعب دور أساسي في خطة المساعدة لأوكرانيا.
وهذا ما حمل الدول الناشئة على انتقاد المراوحة التي يفرضها الأمريكيون.
وقال الوزير البرازيلي “لا يمكن أن يبقى صندوق النقد الدولي مشلولا ويؤخر تحقيق التزاماته بإجراء إصلاح داخلي”، مؤكدا أن ذلك ينعكس على مصداقية المؤسسة.
وأعرب وزراء مجموعة العشرين عن خيبة أملهم “الكبيرة” لهذا التأخير الجديد، وشددوا الضغط على الولايات المتحدة، مؤكدين على وجوب وضع خطة بديلة في حال لم تتمكن واشنطن من تخطي عقبة الكونجرس بحلول نهاية السنة.
وهذه المهلة الجديدة التي شكلت موضوع مناقشات في اللحظة الأخيرة، يفترض أن تسمح بانتظار نتائج الانتخابات التشريعية التي تجري في منتصف ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، على أن يتم البحث لاحقا “بما ينبغي القيام به”، على حد قول وزير المالية الياباني تارو اسو،غير أن ملامح هذه الخطة البديلة لا تزال غامضة والعنصر الرئيس المعروف فيها يقضي بفصل شق حسن إدارة المؤسسة عن شق الموارد التي لا تتطلب الضوء الأخضر الأمريكي، غير أن صندوق النقد الدولي غير مقتنع حتى الآن بفصل الشقين عن بعضهما.