من المسلمات الحياتية أن أي أمة من الأمم لا يمكن أن تنهض أو تتقدم إلا بالاهتمام بالتعليم والحرص عليه بشتى الطرق والوسائل الممكنة، ولما بات المعلم يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق هذا الهدف وذلك من خلال ما يقوم به من أدوار تعليمه للأبناء والذين على أكتافهم تنهض وتتطور وتتقدم هذه الأمم، فإن هذا ما يحتم في الواقع على كل من يرغب العمل بهذه المهنة أو بهذه الرسالة التربوية أن يدرك تماماً حجم هذه المسؤولية العظيمة التي تتطلبها وكذلك الأسس الصحيحة التي ينطلق منها للقيام بهذا الدور وفي طليعة ذلك حبه لهذه المهنة التعليمية وممارسته لها بكل أمانة وإخلاص وحيوية ونشاط، بالإضافة للتحلي بالحكمة والصبر وسعة الصدر وبعد النظر فضلاً عن مقدرته العلمية وامتلاكه لمختلف الأساليب والطرق التعليمية المشوقة، وغير ذلك مما يلزم الطلاب من العناية بهم والشفقة عليهم وتقدير مشاعرهم والعمل على مساعدتهم أنى احتاجوا لذلك. يقول: بدر الدين بن جماعة أحد علماء المسلمين في هذا الصدد. على المُعلم ألاّ يُنصب نفسه لهذا العمل أو لهذه الوظيفة ما لم يكن أهلا لها وأن يراقب الله في السر والعلن مضيفاً إلى ذلك بقوله: إن المُعلم متى ما أحب عمله والعلم الذي سيعلمهُ لتلاميذه وعشق مادة تخصصه فإنه لن يصرفه عن ذلك كله أي صارف حتى وإن عرضه مرض أو اعتاده ألم، فيما ذهب أبو حامد الغزالي رحمه الله إلى القول: إن من اشتغل في التعليم فقد تقلد أمراً عظيماً وخطراً جسيماً. ذلك لأن الرسالة التربوية والتعليمية الذي ينشدها كل مجتمع ووفقاً لسياسته تتضمن إحداث تغييرات مرغوب فيها لبناء سلوك قويم وإيجابي في حياة الطلاب لكي يكونوا أداة فاعلة في نهضتهم وفي رقي وازدهار بلادهم. ناهيكم عن مكتسبات أخرى تعود على الأبناء الطلاب أنفسهم من النفع والفائدة، والمُعلم بحسب ما ورد في المعاجم اللغوية وهو ما ينبغي أن يعرفه الجميع هو من له الحق في ممارسة أحد المهن استقلالاً أو ممن يتخذ التعليم مهنة له.
من جهة أخرى لا يفوتنا أن نشير ضمن هذا السياق المقتضب إلى أن هناك فرقا بين مصطلح مُعلم ومصطلح مُدرس في العملية التعليمية، فبينما يقوم المُعلم بدور معاونة الطلاب على التعلّم من خلال تحفيزهم واستثارة قواهم ونشاطاتهم الذاتية وتهيئة مختلف الظروف المناسبة لهم لأجل أن يتعلموا، فإن المُدرس يقوم بالإضافة لذلك بدور خلق جوٍ من التفاعل والحوار والمناقشة مع هؤلاء الطلاب. أو بمعنى آخر يُصبح المُعلم في العملية التعليمية هو مجرد مقدم معلومات طلبته فقط مستمعين ومتلقين لما يقوله ويلقيه عليهم دونما تشكك أو مشاركة، وهو ما يجعل هؤلاء الطلاب على هذا النحو في موقف سلبي، بينما المُدرس في هذه العملية يتجاوز ذلك إلى حيث التفاعل والحوار والمناقشة مع طلبته فيما يريد إيصاله إليهم من معلومات، فالمُدرس إذاً ووفقاً لهذا الدور أكثر شمولية من دور المُعلم في هذا المجال، ولعلنا نختم مقالنا هذا بقول المفكر والكاتب توماس كارلايل والذي حينما سأله أحد الشبان المعجبين به: ما السر في نجاح المُعلم؟ حيث يرغب في أن يكون مُعلماً في المستقبل ضمن رسالة تلقاها منه قال له: كن على نحو ما تشاء أنت لطلبتك بأن يكونوا.. فكل تعليم خلاف ذلك لا يعدو أن يكون ضرباً من ضروب النفاق والتدجيل.