للوطن مكانة حية ومهمة في وجدان الكاتب، لكن مع الزمن والخبرة يغتني الوطن المادي بوطن آخر هو وطن الكتابة.
الوطن الافتراضي الأوسع والأكثر شمولا.
فالكاتب في النهاية هو ابن هذه الأرض بمآسيها وإنسانيتها أيضا.
فهو من يقوم بتشكيلها إبداعيا وفنيا، ويختزل مسافاتها في ظل إعلام متحرك ونشيط، سهّل الاتصالات.
فكل كاتب في عصرنا هو صياغة كونية.
عبارة عن صناعة ثقافية متعددة محلية وأجنبية، تختار وسيلتها التعبيرية الأقرب إلى تكوينها الخاص ومساراتها الثقافية وذاكرتها.
تلعب التجارب المعيشة دورا مهما في تحديد القيمة الفنية والهوية الإبداعية.
المنافي الاختيارية أو القسرية بكل توتراتها وصعوباتها، هي ما يمنح هذه المواطنة اتساعا وامتدادا.
في المنفى الإجباري مثلا، يجد الكاتب نفسه بين حيرتين، إما أن يدخل في دائرة الحزن ويموت في العزلة، وهذا حتما مسلك مأزوم، أو يحاول أن يكون مفيدا داخل التراجيدية الخاصة، فيختار الطريق الأصعب الذي يمنحه فرصة تحويل قسوة المنافي إلى حياة موازية وغنية.
أينما وُجِد الكاتب، فالدائم فيه هو الإنسان وليس شيئا آخر.
هذا الوعي الإيجابي يساعده حتما على صناعة مواطنة بمواصفات جديدة، مواطنة ملتصقة بأرضها الأولى، ولكنها تنتمي في الوقت نفسه، إلى مواطنة عالمية تشترك فيها مع الكثيرين خارج الجنسيات الضيقة: مواطنة الكتابة.
ما الذي يجعلني اليوم كقارئ عربي، قريبا بقوة من نصوص الياباني موراكامي؟ أو من روايات فارغاس يوسا الأمريكي اللاتيني؟ أو من حرير الروائي الإيطالي ألكسندر باريكو؟ لقد أصبح العالم صغيرا ومعقدا أيضا، وهذا يدفع بنا إلى رؤية كل شيء بالكثير من التواضع والتبصر والتأمل.
عندما يقول قارئ أو قارئة عبر العالم، لكاتبه المفضل: يا سيدي لقد عبرت عما بداخلي، يزيد يقيني بأن الإنسان واحد، ووطن الكتابة أيضا واحد، على تعدديته الثقافية واللغوية.