في الشوارع الخلفية من المدينة تظهر تشكيلات جدارية تبوح بإبداعات مأزومة أحيانا وخلاقة أحيانا أخرى، ومن هذه الظواهر الفنية ظاهرة الرسم على الجدران، أو ما يسمى بفن الجرافيتي، الذي يتخذ منحيين، الأول جمالي، والآخر عبثي.
في جولة سريعة على بعض شوارع العاصمة المقدسة، رصت عدسة «مكة» الكثير من هذه الرسومات الإبداعية لهواة يحتاجون البيئة المناسبة لاحتضان إبداعاتهم وصقل مواهبهم، والتي يرى فيها القاص سعيد الأحمد أنها طاقة داخل المراهق قد تتحول بفعل هذا الاهتمام إلى لوحات فنية.
يستشهد التشكيلي عبدالعظيم الضامن بإسبانيا، التي حددت زمانا لمسابقة أجمل رسم جرافيتي على جدار محطة القطار، فاجتمع فنانو الجرافيتي من كل أنحاء العالم، فتخلصت إسبانيا من الرسم العبثي على الممتلكات الخاصة والعامة بطريقة حضارية.
من جهته أصدر الناقد التشكيلي سامي جريدي كتابا يتحدث عن الفن الجرافيتي في السعودية احتوى على ثلاثة أبواب، الباب الأول جاء بعنوان «مفهوم الكتابة من الرمز إلى ذهنية الكبت»، و الباب الثاني «الشفرة السردية للنسق الثقافي»، الباب الثالث «حضور الكتابة على الجدران في الرواية».
(سكروب) أحد هؤلاء الهواة، الذي رفض أن يفصح عن اسمه، وصف ما يقوم به بأنها طاقات إبداعية، ويريد أن يعبر عنها أو يخرجها بطريقته الخاصة، مضيفا: «ليس لدينا أي متنفس نستطيع من خلاله التعبير عن هواياتنا المختلفة من رسم وتشكيل وتصميم، ولا توجد أي مؤسسة ثقافية أو اجتماعية، خصوصا بمكة المكرمة، تحتضن مواهبنا، حتى مناهجنا المدرسية شحيحة فيما يتعلق بالتربية الفنية وغير مهتمة بهذا الفن وتسير على نمط ممل، وأنا ضد المنهج الذي يحد من خيالي أو يحد خياراتي المتعددة».
يشار إلى أن أمانة العاصمة المقدسة قد خصصت بعض المساحات المحدودة لممارسة هذه الهواية، ولكنها قليلة جدا قياسا بعدد الأحياء والمخططات المكية.
داخل كل مراهق طاقة يمكن أن يفجرها عن طريق التخريب أو التهور في القيادة أو تفجير نفسه باحتواء الإرهابيين له، أو بتشويه الأسوار بخربشاته، وهي في نظري عملية طردية، فكلما شجعناه على الفن تلاشت التفاهة والتشويه، ولو تزعمت المؤسسات الثقافية والفنية مشروعا يتبنى تفجير الطاقات الفنية على الجدران لتراجع المراهقون غير الموهوبين عن تشويه أسوار المدينة بسخفهم.
سعيد الأحمد
إن الكتابة على الجدران تمثل في حقيقتها نصوصا سردية مفتوحة تختبئ بداخلها قصص الأشخاص وأسرار المجتمع وثقافتهم الحضارية، حيث ولجت عبر كتابي في مسائل المهمش والمنسي والمسكوت عنه إلى منطقة جديدة تسمى النقد الثقافي البصري، كما أن للرموز التأويلية أن تنفتح على المقروء البصري كنسق ثقافي انتقلت هويته من التشكيلي إلى السردي، وأصبحت دلالته تكمن في بنيته لمكتوبة/المرسومة.
سامي جريدي
زرت مدينة وين وود بميامي الأمريكية، وقد تم تخصيصها بأكملها لفناني الجرافيتي، وباتت الشركات تتعاقد مع الفنانين برسم جدرانها، وكذلك محطات القطار والمنازل، وقررت بلدية وين وود تخصيص أيام في شهر ديسمبر للفن الجرافيتي، عالم جميل ولوحات أجمل، وجمهور من جميع الطبقات تزور المدينة الفقيرة، وحين تجوالي تعرفت على الكثير من فوائد هذه التظاهرة التي أنعشت المدينة اقتصاديا وسياحيا.
عبدالعظيم الضامن
2,7 % نسبة المبدعين من أي مجتمع، والمبدع يحتاج لبيئة يتنفس من خلالها ليحقق ذاته حتى لا يحبط ويصل إلى مرحلة الاكتئاب، ومثل هذا الفن يعد نوعا من الحضارة المعرفية والسلوكية للشعوب، والذين يمارسون إبداعاتهم على الجدران جزء ممن يشكلون هذه الحضارة، وهم ممن يسهمون في تحسين المزاج العام للمجتمع، لأن الثقافة العمرانية لدينا خرسانية تعكس التصلّب والتعصب في كثير من سلوكياتنا.
د.عبدالله حريري

