في الليلة المنصرمة، عرفت أنه انقضى الأمر الذي كانوا فيه يستفتون، وانتهى (قادة التعليم) بعد سنوات من (القبول والرد)، إلى (إقرار) نظام البصمة الالكتروني، لتوثيق حضور المعلمين وانصرافهم (وكذلك أفراد العناصر الأخرى للمؤسسة التعليمية). لم أتفاجأ بإقرار (الخبر الانضباطي) بالطبع، فذلك هو (ديدن) ما يصدر من المؤسسة التعليمية العليا للتعليم في بلادنا من قرارات و(تعاميم)، لذلك فقد أغلقت جفني للنوم بمجرد أن وضعت رأسي على الفراش، مستمتعا برقدة هانئة، ولكن الذي يبدو أن اللاوعي المختزن في الذاكرة كان له رأي آخر مع النوم،إذ أنه استيقظ مباشرة وبدأ في ترتيب المشهد المرتبك من جديد!
في الصباح استيقظت لأروي صياغة ذلك اللاوعي المشاغب، فقد رأيت فيما يرى النائم أن هذا النظام الالكتروني للبصمة امتد عرضا وطولا، ليتجاوز لحظته المختصرة جدا، ليشمل توثيقات وقياسات أخرى متنوعة للعملية التعليمية برمتها، لكأني شعرت بها تزعم الإفصاح عن رؤى أبعد (نظرا) وأكثر (مصداقية)، مع شؤون العمل التعليمي وشجونه التي لا تنتهي! فإذ بالمعلمين يمدون سباباتهم لتلك البصمة، فيقرأ برنامجها الالكتروني حاجاتهم المتكررة لأنظمة تعليمية تفاضل بينهم، بمعايير الكفاءة والمهارة، ولمقررات تنسجم مع مكتسباتهم العلمية (الأكاديمية)، ولأماكن تليق باستراحاتهم المشروعة بين كل فترة -اشتغال تعليمي تربوي- وأخرى، وقوفا على أرجل أنهكتها (مشاوير) الحياة، ولجداول دراسية تتسق مع سنوات العمل (فلا يتساوى معلم السنة الدراسية الأولى مع معلم الثلاثة عقود زمنية، في عدد الحصص المكلف بها كلاهما)، ولقرارات إدارية تضع كلا منهم في المستوى الوظيفي الذي يستحق، مع التكفل بمنح الحقوق المتأخرة بفعل التعيينات الطارئة. ويستمر حلم ليلة الربيع تلك، فإذا كافة البيانات والقرارات والمشاريع التعليمية، تمد الإصبع الممثل لها جميعا إلى (البصمة) إياها، فتكشف هذه البصمة أن «ما يصدر عن المؤسسات التعليمية الصغرى والكبرى الحاضنة للتعليم، ينبثق من فكر نمطي جاهز، يستند إلى نماذج مسبقة ومثالية وخارجية، تدعي اكتمال الحقيقة بالرغم من أن الفكرة الخصبة الحية -التي تحتاجها منظومة التعليم لدينا- لا تزعم أنها تطابق تمام الحقيقة، بقدر ما تكون صيغة حقيقية للتحاور والتفاعل، بالاشتغال الجاد على معطيات النظرية لتحويلها إلى إنجازات.
كما أن تلك البصمة تستقرئ حال النظم التعليمية المتزامنة، فتجد تقاطعات رهيبة يقضي بعضها على بعض، بعيدا عن نظام تعليمي شمولي مؤكد، يفترض أنه خلاصة ناجحة وفعالة للأنظمة التعليمية التقليدية والرائدة والمطورة و(المقرراتية)، ويستحيل مع تجلياته المشتركة الفاعلة، تركه في لحظة طارئة واستبداله بنظام تعليمي آخر (كما يتردد في لحظتنا الراهنة)! ويمتد حلم اللاوعي، فإذ بكل أصابع الطلاب تمتد بحماس وتوتر إلى بصمتنا الجديدة، التي تكشف عن معاناتهم اليومية في تراكم جسدي (ينحشر) به أربعون أوخمسون منهم في حيز لغرفة لا تزيد مساحاتها عن (24) مترا مربعا (ربما تكون في مرحلة نشأتها الأولى مطبخا لعائلة صغيرة)، كما تظهر البصمة (إياها) خيبات طلابية أخرى، من افتقارهم إلى مختبرات متكاملة وملاعب لائقة وفضاءات يمارسون فيها أنشطتهم (التي بها تتخلق شخصياتهم من جديد)! وفي اللحظة ذاتها، يرصد المشهد التوثيقي العام الكتب الدراسية وهي تلقي بصفحاتها على موقع البصمة وما يحيط بها، فتظهر على شاشة العرض الكلمات الآتية: «هذه المقررات الدراسية مجرد معلومات (أمبريقية) كثيرة، يمكن أن تظل في الذاكرة أو تخرج منها مباشرة، لأن تلك المقررات تخلو من إشارات هامة وحاسمة لمنهجيات التفكير العلمي الكلي، الذي يفرق من خلالها الطالب بين مفردات الخطاب التعليمي التي يجب أن ترسخ في الذهنية المتعلمة -لتؤكد على جدوى الفعل التعليمي وحقيقة مخرجاته المعرفية الخالصة والمعلومات التي تستخدم فقط لإثبات الخطوط العريضة لمفردات الخطاب التعليمي، التي يجب ألا تغادر ذاكرة المتلقي، وإلا أصبح مشروع التعلم فعلا بائسا مفرغا من مخرجاته وغاياته، التي ينتظرها فضاء المرحلة و(سوق) العمل و(حاجات) الحياة! ويستمر حلم البصمة، ليظهر في سياق آخر غير المعلمين (من مشرفين تربويين) وهم يمررون أصابعهم -بتثاقل ووجل- على بصمة الحقيقة الغائبة، فيظهر ما كان منه يخشون في هذه النتيجة المريرة: «الإشراف التربوي منظومة (بطالة) أخرى داخل المنظومة التعليمية، فهو لم يعالج أي خلل في أداء المعلمين، ولم يضف لقدراتهم العلمية والتربوية فوائد تذكر، سوى اهتمامات تقليدية (شكلية) تنحصر في سجلات إعداد الدروس ووسائل العرض، التي تكتسب قيمتها من ذاتها (التقنية) فقط، ولو لم تفض تلك الوسائل إلى مخرجات معرفية خالصة!
وبعد.. تنتهي اللحظة روايتي لحلم (اللاوعي) الغائب في (الوعي)، الذي يعود بي -بأسى وخيبة - إلى (البصمة) التي يمرر بها المعلمون سباباتهم، ليتأكد من خلالها حضورهم (وحضورهم الجسدي فقط) داخل المشهد التعليمي المتنوع في تجلياته وعناصره وحاجاته الملحة، في انتظار أشكال أخرى (للحضور) أكثر تأثيرا و(تعليما) ونفعا. (وللأحلام بقية دائمة، في حياتنا)!