وقف في وسط حديقة منزله الواسعة ورفع يديه فوق رأسه ليتمطي وسحب كرشه المتدلية أثناء شهيقه وأغمض عينيه، ولكنه لم يكمل ما بدأ وتوقف كأن تياراً كهربياً سرى فجأة في جسده المترهل. ماذا حدث للعمدة...؟!
ومضة كانت تلك التي أحس بها فجأة كأنها تعيد له ذاكرة ممسوحة. لحظة وربما أقل جعلته يخاف من نفسه حتى الرعب. فماذا حدث للعمدة...؟
رأى وجه أبيه رحمه الله يبتسم مستهزئا به. لا يدري سعادة العمدة كيف أحس وأدرك كل ذلك في لحظة. وكأن كل ما حدث ويحدث وسيحدث تمثل أمام عينيه حينها.
بدأ عرق بارد يتصبب من وجهه وكأنه أخفق في امتحان. هل أخفق؟ نعم.. أصبح ثرياً لأنه تنازل عن ذلك المبدأ (البالي العتيق): عزة نفسه والترفع عن الحرام. أصبح قوياً لأنه سحق ضعيفاً تخويفاً وابتزازاً واستغلالاً. لم يسرق ولكنه تنازل وأرخى رأسه. لم يقتل ولكنه ظلم وآلم وتجبر..
ماذا حدث للعمدة الذي تربى في بيت جدرانه الحق والعزة؟ حطم الجدران تلك وبنى أسواراً سوداء؟ أغمض عينيه عن صورة أبيه الذي لم يعش إلا مرفوع الرأس نقي النفس بريء الذمة؟
هل هي لحظة يعيد فيها سعادة العمدة بناء دولته التي بين جنبيه من جديد فيسهل عليه إعادة بناء دولته التي أنشأها في تلك الحارة منذ بداية العهد الذي قطعه على نفسه لأبيه حين كان على فراش الموت؟
ماذا حدث لسعادة العمدة...؟