مرت أشهر قليلة فقط، ولكن يبدو وكأنه مر هر منذ أن نزل المحتجون الأوكرانيون إلى شوارع كييف وهم يرفعون أعلاما كبيرة للاتحاد الأوروبي ويطالبون رئيسهم في ذلك الوقت بتوقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية التي رفض توقيعها. عندما سأل صحفيون بعض المحتجين عن سبب رغبتهم الكبيرة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لدرجة أنهم بقوا في الساحة في درجات حرارة تحت الصفر، كانت إجاباتهم ساذجة إلى حد بعيد. المحتجون كانوا يرون أن بروكسل قوة يمكن أن تنقذهم من فساد وسوء إدارة حكومتهم، وتستعيد النظام، وتنظف الشوارع من الأوساخ، وتجلب مستوى معيشة مشابه لمستوى المعيشة في أوروبا. كانوا يعتقدون وكأن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يهز عصا سحرية ويُدخل أوكرانيا إلى العالم الأول بين يوم وليلة.
بروكسل كانت تستطيع، لو أنها أرادت ذلك، أن تشير إلى عدة حقائق لكي تزيل ذلك الوهم –حقائق صعبة عن بروكسل وحدود قوتها، وكذلك الحقائق الصعبة حول أوكرانيا. أوكرانيا كانت ولا زالت كما نشهد الآن منقسمة بين أولئك الذين يتطلعون إلى الشرق وأولئك الذين يتطلعون إلى الغرب. منذ عقد من الزمن، بعد الثورة البرتقالية، كان في أوكرانيا رئيس موال للغرب اسمه فيكتور يوشنكو، ومع ذلك فشلت في السير باتجاه أوروبا. ومستوى المعيشة في أوكرانيا وازدهارها، من حيث إجمالي الإنتاج المحلي، يضعها ليس فقط خلف أفقر أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد، ولكن وراء روسيا أيضا.
حتى لو كانت أوكرانيا مجدة، وهي ليست كذلك، فإن أمامها طريقا طويلا وصعبا تمضي فيه قبل أن تحصل على عضوية الاتحاد الأوروبي. ولكن بهدوء، شيء يشبه قيام الاتحاد الأوروبي بهز عصا سحرية كان يحدث. يوم أمس، اتضح أن بريطانيا، مع السويد وبولونيا، كانت تقترح إرسال بعثة دبلوماسية إلى أوكرانيا مهمتها بناء هيئات لتطبيق القانون.
البعثة الدبلوماسية سوف تأتي في إطار سياسة الدفاع والأمن المشترك في الاتحاد الأوروبي. نحن نعرف هذا لأن مسودة وثيقة تم تسريبها. ولكن لماذا التحفظ؟ ربما لأن ليس جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي يحبون الفكرة مثل لندن أو ستوكهولم أو وارسو. ربما أيضا بسبب مخاوف من أن تعتبر موسكو هذا الأمر تدخلا في شؤون أوكرانيا الداخلية –وهو في الحقيقة كذلك.
لكن هذا ليس كل شيء. في نهاية الأسبوع الماضي في بروكسل، قرأت في الصفحة الأولى في إحدى الصحف أن هيئة مكافحة الفساد الأوروبية أرسلت بالفعل وفدا كبيرا إلى كييف، برئاسة مفوض التوسيع. واتضح أن هذه اللجنة كانت تراجع السجلات الأوكرانية بهدف تقديم إصلاحات واسعة تهدف إلى اجتثاث الفساد، وتسريع عملية تحويل البلد إلى المسار الأوروبي.
هناك عدة ملاحظات حول هذا الأمر. إحدى الملاحظات أنه إذا بقيت روسيا صامتة، وهو ما فعلته حتى الآن، فإن ضمها لشبه جزيرة القرم ربما يُعامل على أنه جائزة ترضية لروسيا لقبولها خسارة أوكرانيا. الملاحظة الثانية هي طرح تساؤل حول مدى ملاءمة مثل هذا التدخل المكثف، خاصة وأن شرعية الحكومة في كييف مثيرة للجدل وهناك انتخابات رئاسية بعد أسابيع قليلة. الملاحظة الثالثة أنه منذ أكثر من عقد من الزمن، كتب الدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر، الذي يعمل حاليا مستشارا لكاترين أشتون، المسؤولة عن السياسة الخارجية الأوروبية، مقالا دعا فيه إلى شكل جديد من الاستعمار. يمكن مناقشة ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يجب أن يلعب دوار في هذا الشكل من الاستعمار في أوكرانيا أو مكان آخر. لكن البعض قد يقولون إنه، منذ التوسعة الأخيرة، أصبح الاتحاد الأوروبي شكلا جديدا من الاستعمار الجديد الذي تحدث عنه روبرت كوبر.
التقرير السنوي الأخير من البنك الأوروبي من أجل إعادة البناء والتنمية حدد توجها جديدا مقلقا. قال التقرير إن الاقتصادات في عدد من الدول الجديدة في الاتحاد الأوروبي تعاني من الركود، وهذا يعني أن الفجوة بين اقتصادات الدول القديمة والحديثة في الاتحاد الأوروبي تزداد اتساعا. هذا ليس ما كان يفترض أن يحدث. كل الغاية من الصندوق الإقليمي للاتحاد الأوروبي هو تضييق الفجوة، كما حدث بعد توسعات سابقة.
البروفيسور دافيد لاين من جامعة كامبريدج يقترح أن بعض الدول الجديدة في الاتحاد الأوروبي على الأقل لم تعد شريكة بل أصبحت عالة على باقي الدول. إذا كانت أوكرانيا في طريقها لتصبح محمية من جميع النواحي ما عدا التسمية، فقد آن الأوان للاعتراف بأن الاتحاد الأوروبي بدأ يتغير. فهو لم يعد مجرد اتحاد بين دول متساوية، لكنه بدأ يتحول إلى نوع من القوة الاستعمارية.
- الإندبندنت
هل يرقى تدخل الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا إلى نوع من الاستعمار؟
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
