العلم نشاط إنساني عالمي يتميز بالتراكم البنّاء. يبدأ من حيث انتهى الآخرون. والحضارات تنقل معارفها لبعضها عن طريق الترجمة، وواقع الترجمة في العالم العربي لا يختلف عن واقعنا –أو «وقعتنا»- في الكثير من المجالات. دون الترجمة لا أمل في تقدم.
في العالم الإسلامي، كان زيد بن ثابت الأنصاري أول المترجمين وهو الذي قال عنه المسعودي في كتابه «التنبيه والإشراف» إنه «كان يترجم للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية». أما أولى مبادرات الترجمة العربية فأظن أنها كانت مبادرة الحجاج في تعريب الديوان الفارسي. وقام بها «صالح بن عبدالرحمن مولى بني تميم»، وقد حاول الفرس رشوته بمائة ألف درهم لكي يقول إنه عاجز عن الترجمة، ولكنه رفض حتى إن أحد المترجمين الفرس قال له: «قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية».
وأول كتاب تُرجم في الإسلام هو كتاب طبي سرياني بعنوان «خلاصة الطب» وهو لطبيب يهودي اسمه «ماسرجيس». ومن المُبكي أن مجموع ما تُرجم بالعالم العربي -من عصر الخليفة المأمون، بالقرن التاسع الميلادي وحتى الآن- حوالي عشرة آلاف كتاب، وهو رقم يُعادل ما تترجمه دولة كأسبانيا في عام واحد. أما ما يُترجم سنوياً في العالم العربي فيعادل خٌمس ما يترجم في «اليونان»، والتي يبلغ عدد سكانها 3% من عدد سكان العالم العربي. وعدد الكتب التي ترجمت إلى اللغة العربية في الأعوام الثلاثين الأخيرة يعادل ما نُقل إلى اللغة الليتوانية في نفس الفترة، مع ملاحظة أن عدد الناطقين بهذه اللغة يبلغ قرابة أربعة ملايين إنسان فقط!
ومن الواضح أن وصية «اطلبوا العلم ولو في الصين» أصبحت واقعية للغاية؛ ففي الصين تتم ترجمة كل كتاب يصدر في الولايات المتحدة الأمريكية إلى اللغة الصينية خلال ثلاثة أيام من صدوره. بينما عندنا وصل إهمال أمة «اقرأ» للقراءة والتواصل لدرجة أن كتبنا العربية القديمة تحتاج هي نفسها إلى نقل للعربية الحديثة لكي تفهمها الأجيال الصاعدة!
إذا سيطر علينا شعور أننا لا نحتاج إلى الآخرين، وأننا قد وصلنا لكل شيء، فكل عام وأنتم بخير ونراكم في العالم العربي القادم! سأبدأ بنفسي وأترجم قصة حياتي وأسميها: «شاب عربي مات من الغيظ»!
شاب عربي مات من الغيظ!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
