«إنَّ مَصِيرَ الأَمْرِ إلَى المُلُوكِ ونُوَّابِهِم مِن الوُلاَةِ والقُضَاةِ والأُمَرَاءِ لَيْسَ لِنَقْصٍ فِيهِمْ فَقَطْ، بَلْ لِنَقْصٍ فِي الرَّاعِي والرَّعِيَّةِ جَمِيعاً؛ فَإِنَّهُ (كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى عَلَيْكُمْ)، وقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾، وقَد اسْتَفَاضَ وتَقَرَّرَ فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِعِ مَا قَدْ أَمَرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَاعَةِ الأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الله ومُنَاصَحَتِهِمْ والصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِمْ وقَسْمِهِمْ والغَزْوِ مَعَهُمْ والصَّلاةِ خَلْفَهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ فِي الحَسَنَاتِ الَّتِي لاَ يَقُومُ بِهَا إلاَّ هُمْ؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى، وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَصْدِيقِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وإِعَانَتِهِمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وطَاعَتِهِمْ فِي مَعْصِيَةِ الله وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثْمِ والعُدْوَانِ، ومَا أَمَرَ بِهِ أَيْضًا مِن الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ لَهُمْ ولِغَيْرِهِمْ عَلَى الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ومَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالاَتِ الله إلَيْهِمْ، بِحَيْثُ لاَ يَتْرُكُ ذَلِكَ جُبْنًا ولاَ بُخْلاً ولاَ خَشْيَةً لَهُمْ ولاَ اشْتِرَاءً لِلثَّمَنِ القَلِيلِ بِآيَاتِ الله، ولاَ يَفْعَلُ أَيْضًا لِلرِّئَاسَةِ عَلَيْهِمْ ولاَ عَلَى العَامَّةِ، ولاَ لِلحَسَدِ ولاَ لِلكِبْرِ ولاَ لِلرِّيَاءِ لَهُمْ ولاَ لِلْعَامَّةِ، ولاَ يُزَالُ المُنْكَرُ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، بِحَيْثُ يُخْرَجُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلاحِ وتُقَامُ الفِتَنُ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الفَسَادِ الَّذِي يَرْبُو عَلَى فَسَادِ مَا يَكُونُ مِنْ ظُلْمِهِمْ» فتاوى ابن تيمية 35/20.
لعلّ ابن تيمية -إذن- كان من فئةٍ تُضمِر «جاميّةً» غاليةَ من شأنها أن تؤسس لمنهجيّةٍ تحرّض المؤمنين على الكفّ عن «الفتنةِ» والنأي بالأمة عن الولوغ بالدماء فجوراً واستباحةً.. ومهما يكن من أمر فإنّ هذا المضمر لدى «ابن تيمية» قد أبى الله تعالى إلا أن يظهره جليّاً من بين فلتات «فتاويه».. وما النّص الذي قرأتم توّاً سوى عيّنةٍ (يسيرة) لنصوصٍ تطفحُ بها مصنّفاته على نحوٍ مِن تأصيلٍ جامعٍ/ مانعٍ لم يُسبق إليه ما يترشّح جراءها لإمامةٍ ليس يصحّ أن يملأ فراغها سواه! ولكم وددت لو أنّ مثل هذه النصوص هي التي تشيع في مساجدنا ومناهجنا وفضائياتنا.
وبالإمكان أن أتساءل: لو -ولو هاهنا من عمل الإنسان- لوكان هذا النّصُّ المسدّد مِن كيسي! هل ثمّة من أحدٍ سيتأول لي في سبيل أن يمنحني صكّ براءةٍ من التوصيف بالمداهنة والجبن؟!
أم تراني -لوكنت أنا من كتب النص- سأكونُ في منأىً حينذاك عن راجمات «الإقصاء» ودمغي تالياً بـ»خالد الجاميّ الجَلْد» الذي قد باع دينه بعرض من الحياة الدنيا؟! ما لكم كيف تحكمون؟!
بقي أن أؤكد بأنّ جامية ابن تيمية ضرورة شرعيّة تشي باستقامة المنهج. وبصحة الاستدلال وبالفقه الراشد لمراعاة المآلات. فأوصيكم ونفسي بـ»التّجييم» لعلكم ترحمون.

