يدور كتاب موسى نعيم، وهو خبير اقتصادي فينزويلي، حول فكرة أساسية هي «تفتيت السلطة»، ذلك أن التحول الحادث في السلطة يتجاوز فكرة توزعها بين أكثر من فاعل، إلى كونها تمر اليوم بعملية أكثر عمقا وأبعد أثرا، إنها بعبارة واحدة في طور «الانحلال». ومن ثم يرى نعيم أن فهم كيف تفقد السلطة قيمتها، ومواجهة التحديات الصعبة المترتبة على ذلك هو مفتاح التعرف على اتجاهات إعادة هيكلة العالم في القرن الحادي والعشرين.
في السياق ذاته، يؤكد المؤلف أن الثورات التي شهدها العالم أخيرا فيما عرف بالربيع العربي، تركت آثارها على «السلطة»، حيث أضحى من السهل الوصول إلى السلطة، ولكن من الصعب الحفاظ عليها واستخدامها، وأن الفاعلين التقليديين كالحكومات والشركات الكبيرة والمؤسسات الدينية، أصبحوا جميعا لا يمارسون نفوذهم، أو سلطاتهم، إلا بشق الأنفس، نظرا لظهور ما يسميه بالقوى الصغرى - «micro powers» كالأحزاب الهامشية، والنشطاء السياسيين، والشباب الذين يفتقدون إلى قيادة موحدة أو مركزية.
الأحزاب السياسية التقليدية تتعرض هي الأخرى – كما يقول - لاضمحلال قوتها وتأثيرها في الشارع، ليس فقط بسبب تزايد نفوذ الأحزاب الهامشية، كحزب الشاي مثلا في الولايات المتحدة، ولكن أيضا نتيجة اتجاه عدد متزايد من الأفراد للمشاركة بنشاط في العملية السياسية عبر وسائل الاتصال الاجتماعية والتجمعات الشعبية الجديدة. ويتابع: الشيء نفسه ينطبق على المستوى الاقتصادي، حيث تآكلت السلطة المركزية (والمحلية) في مجال الشركات والأعمال، لحساب الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقوميات، ويتضح ذلك من متابعة التغير السريع والديناميكي في صناعة التكنولوجيا العالمية، حيث تسيطر على السوق العالمي الآن شركات مثل جوجل، وفيس بوك، وأمازون، عن طريق (سحق) الشركات العملاقة التي سبقتها في هذا المجال، إذ شهدت تلك الأسواق انخفاض أسعار أسهم شركة نوكيا بأكثر من 90 %، كما انخفضت أسعار أسهم ياهو بأكثر من 80 %،. وأخيرا في مجال القوة العسكرية التقليدية التي لم تعد مفيدة في حروب اليوم، خاصة في مواجهة فاعلين من غير الدول كالقراصنة في خليج عدن، والتنظيمات الإرهابية المتعددة مثل «حزب الله»، و «تنظيم القاعدة»، وغيره من التنظيمات القادرة على توجيه ضربات موجعة للدولة دون ردع أو مواجهة ناجعة من هذه الدولة. ورغم الاعتراف بأن الميليشيات والعصابات المسلحة (المرتزقة) ليست ظاهرة جديدة، فإن الجديد الذي يؤكده الكاتب هو فشل الدول الكبرى وقوتها العسكرية والأسلحة الثقيلة في مواجهة هذه المجموعات (غير الدولية) منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
ويلمح الكاتب إلى ظاهرة جديدة كلية وهي استعانة بعض القوات المسلحة التقليدية في كثير من الدول بخدمات مقاولي الحروب بالوكالة للقيام ببعض المهام الأمنية والاستخباراتية بل والحربية، واستجواب السجناء والمعتقلين وغير ذلك من المهام السرية، وكأن سلطة الجيوش بالمعنى التقليدي تتآكل اليوم لحساب القوى الصغرى التي أشار إليها المؤلف منذ البداية.
تفتيت السلطة يعيد هيكلة العالم
عدنان الحبشي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
