هناك صناعة جديدة في واشنطن والقدس ورام الله. اسم هذه الصناعة انتقاد جون كيري: كان على وزير الخارجية الأمريكي أن لا يحاول التوصل إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ كيري أضاع كثيرا من الوقت؛ لقد كان متساهلا مع الإسرائيليين أو الفلسطينيين أو كلاهما؛ عليه أن يعالج القضايا الأخرى.
لماذا كل هذه الانتقادات؟ جون كيري أعاد التركيز على عملية السلام، ونجح في جر كلا الطرفين للعودة إلى المحادثات مع أنهما رفضا تقديم أي تنازلات، وغير الحوار وربما حصل أيضا على بعض التنازلات وراء الستار. ولكن بعد ذلك انهار كل شيء بعد أن تحول الجانب الفلسطيني إلى الأمم المتحدة احتجاجا على عدم قيام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقية الخاصة بإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين.
إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن الفلسطينيين ينوون الانضمام إلى 15 وكالة عالمية جعلت الذين ينتقدون الفلسطينيين يقولون إن الفلسطينيين ليسوا مهتمين بالسلام. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. هناك حراك في هذه المسألة استطاع كيري أن يلاحظه بذكاء.
لو أن الإسرائيليين لعبوا دور الطرف المعتدى عليه -أي أنهم مستعدون للتعاون ولكن السلوك الفلسطيني غير المسؤول منعهم من ذلك- لتعاطف الغرب في أغلبيته مع إسرائيل وفقد كيري أي مجال للمناورة. لكن اليمين الإسرائيلي دون قصد قدم لجو كيري فرصة لإنقاذ الموقف. ليس هناك أي شك بأن الحكومة الإسرائيلية تحسن المواجهة والهجوم بشكل أفضل بكثير مما تحسن المفاوضات. بدا واضحا أن غالبية الشخصيات السياسية الإسرائيلية شعرت بالارتياح عندما انزاح عبء حتى التفكير بتقديم تنازلات للفلسطينيين، وأصبح هؤلاء السياسيون يتنافسون حول من يقوم بإيذاء الفلسطينيين بطريقة أكبر من خلال تطبيق عقوبات اقتصادية قاسية عليهم وحرمانهم من أمور كثيرة. وقد أظهر الإسرائيليون أن الجانبين على الأقل يستطيعان أن يلعبا نفس اللعبة، وإسرائيل لديها طرق أكثر بكثير تقوم من خلالها بإلحاق الأذى على الفلسطينيين مما تملكه رام الله في منافسة من هذا النوع.
لذلك عاد الطرفان الآن ليكونا على قدم المساواة مرة أخرى. كلا الجانبين قاما بتصرفات خاطئة وعليهما أن يتراجعا عن حافة الكارثة، إذا لعب كيري أوراقه بشكل جيد. من خلال الإبقاء على فريق أمريكي برئاسة المبعوث الأمريكي مارتن إنديك في مسرح الأحداث في الشرق الأوسط، لا يزال الباب مفتوحا لإعادة إحياء الاتفاق الذي كان على وشك أن ينتهي قبل التطورات الأخيرة.
يمكن التوصل إلى اتفاقية يقوم من خلالها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإلغاء مقامرته في الأمم المتحدة، ويسحب الإسرائيليون خططهم بالرد الاقتصادي، ويتم إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين المتفق عليهم، وتطلق الولايات المتحدة سراح الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد من السجون الأمريكية، وربما تدلي الحكومة الإسرائيلية ببيان مقتضب حول وضع قيود على البناء في الأراضي المتنازع عليها في المستقبل. في هذه الحالة، سيكون بإمكان كل طرف أن يقول إنه لو لا موقفه المتصلب لما كان بالإمكان التوصل إلى مثل هذه الاتفاقية.
إذا حدث شيء مثل هذا السيناريو في المستقبل، ستتعزز حكمة مقاربة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للقضية ويصبح موقفه قويا مرة أخرى. ولكن دعونا نتخيل أن كيري لا يتمكن من إعادة إحياء المحادثات، وأن أزمة طويلة تبدأ نتيجة لذلك.
وزير الخارجية الأمريكي يعرف، وفريقه أيضا يعرف، أنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق في الشرق الأوسط بدون حدوث أزمة كبرى. على سبيل المثال، عندما انهارت محادثات فك الارتباط بين مصر وإسرائيل في شهر مارس 1975، بدا وكأنه لا يوجد طريق سهل في الأفق. بحلول نهاية أغسطس، وقع الطرفان الإسرائيلي والمصري على اتفاقية. وبشكل مشابه، بعد رحلة الرئيس المصري محمد أنور السادات التاريخية إلى القدس في شهر نوفمبر 1977، كانت هناك أزمات متكررة بين إسرائيل ومصر إلى أن نجحت محادثات كامب دافيد في سبتمبر 1978، وحدثت أزمات أخرى حتى توقيع اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية في شهر مارس 1979.
المحادثات العربية الإسرائيلي لا تليق بضعاف القلوب. الصبر والاستمرار هو أساس النجاح. الاستسلام والتخلي عن المسار سيكون مثل الانسحاب من مباراة رياضية لأن خصمك يتقدم عليك بنقاط قليلة ولا يزال لديك وقت لتعديل النتيجة. بغض النظر عما يقولونه في العلن، الإسرائيليون والفلسطينيون، وحتى جون كيري نفسه، يزدهرون على هذا النوع من المواجهات. لذلك ليس هذا الوقت المناسب للاستسلام. إذا أراد الحصول على أي فرصة للنجاح، على جون كيري أن يبدأ.
- لوس أنجلوس تايمز
إلى جون كيري: حافظ على ثباتك في الشرق الأوسط
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
