تفاخر كل دول العالم بثرواتها وتسعى للترويج لها بشتى الوسائل، ويمتلك وطننا ثروات اقتصادية هائلة تسعى الحكومة جاهدة لتنميتها والاستفادة منها بشتى الوسائل، وهذا عين العقل.
إلى هنا وهذه المقدمة مسلّم بها لا ريب، وبالتالي فلن أتحدث عن جوانب المال، فلست من رواده، وإنما حديثي سيكون عن الثروة العلمية الشرعية في بلدنا.
تعتبر السعودية أهم بقعة للعالم الإسلامي، فهي تحتضن الحرمين الشريفين، واتخذت القرآن والسنة مصدرين تفاخر بهما وتعمل بهما.
وحري بمكان يحتضن أقدس البقاع ويمتلك أغلى الثروات الاقتصادية أن يكون له الريادة في مجالات شتى.
في أوقات الفتن والخطوب يتلفت المسلمون ليسمعوا من علماء الإسلام، فتتلقفهم وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة لتظهر لهم من يرشدهم ويقدم لهم تعاليم الإسلام، ولكل وسيلة إعلامية أنماط فكرية تسير عليها.
كنت مثل غيري أتساءل:
من غيّب هيبة علماء الحرمين وعلماء السعودية عموماً؟
ولماذا أصبح صوت علماء الحرمين الشريفين ضعيفاً لا يكاد يستشهد به إلا نادراً؟
ولماذا أصبح كثير من شبابنا ومجتمعنا يتلفتون لمن يرشدهم بين ركام الغلو أو التمييع أو العبث الفكري والشرعي؟
لماذا أصبح كثير من أبناء المجتمع يعتقدون أننا نعيش فقراً في علوم الشريعة حتى صار كثير منهم يبحث عمن يفتيه أو يصطاده؟
لا يمكن لأحد أن يقول إنه لا يوجد لدينا علماء أصلاً!
ولا يمكن لأحد يعرف الواقع أن يزعم أن علماءنا لا يجلسون للناس.
ولكن الحقيقة أننا أضعنا ثرواتنا بأيدينا، في حين هجم علينا غيرنا ونحن في حالة من التواضع أو التقشف، وبدأ يروج لفكره أو منهجه، حتى أصبنا بنوع من الهزيمة النفسية للأسف!
لقد عاش النفط في باطن الأرض ملايين السنين، ومشى عليه أجدادنا وعاشوا في فقر وعناء، وعندما بدأ الإنسان في استخراجه أصبح له شأن وأعزنا الله برخاء لم نكن نحلم به، ولم نعد نحتاج مساعدة من الغريب.
النفط الذي في باطن الأرض مثل الحياة العلمية الشرعية في السعودية، كلاهما لن ينتفع به حتى يجد الأيدي التي تستثمره وتعتني به وتجيد تصديره للخارج، وتعرّف الناس على قيمته وتصنع منه ثروة تجعلها في مصاف الدول المتقدمة.
إننا نمتلك ثروة أنفس وأعرق من الجامعات النظامية، حيث مئات الدروس والمحاضرات اليومية والمركزة والعميقة في شتى علوم الشريعة، وهي دروس مفتوحة للمسلمين في رحاب الحرمين الشريفين.
وقد بدأ التدريس في الحرمين منذ بزغ فجر الإسلام، وهذا ليس غريباً؛ فقد اعتنى علماء الإسلام قديماً وحديثاً بعلماء الحرمين ونشر فتاواهم وعلمهم.
ما الذي ينقصنا لكي نجعل لدروس الحرمين قنوات إعلامية خاصة وأن تسعى الجهات المعنية بالتسويق الجاد والفعال لها؟
ما الذي ينقصنا لكي نقنع أجيالنا وأبناءنا بأن ثمة علماء يعيشون بيننا قد أفنوا أعمارهم في خدمة الشريعة وجلسوا لتعليم الناس، بدلاً من هذه الفوضى التي نعيشها، حيث أصبح كثير من علوم ومسائل الشريعة عرضة للعبث بها من بعض الجهلة هنا أو هناك؟
وللحقيقة والشكر، نذكر أن رئاسة شؤون الحرمين منذ ربع قرن أو يزيد حفظت وأرشفت هذه الألوف المؤلفة من الخطب والدروس والمحاضرات والتوجيهات، ويتم توزيع هذه المواد العلمية مجاناً للراغبين، إلا أن التسويق الداخلي والخارجي والإعلامي لها ضعيف جداً، بل لا يكاد يذكر ولا يعرفه أغلبنا، وتلك مفارقة ينبغي الالتفات إليها.
ثروة مهدرة من نوع آخر!
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
