انتشار الإنترنت في مجتمعاتنا وتحوله إلى الوسيلة الأولى في معرفة الأخبار والتواصل، ووجود الشبكات الاجتماعية مثل الفيس بوك وتويتر وغيرهما، أديا إلى تغيرات كبيرة في المجتمع السعودي، فتطورت شخصيات الشباب المطلع على الانترنت فأصبحوا يملكون مصادر أكبر للمعلومات، ولديهم أشخاص آخرون يؤكدون ويدعمون آراءهم ويدافعون عنها، ويستطيع مستخدم الإنترنت الانضمام إلى منظمات وجمعيات على الانترنت بأنشطة مختلفة، سواء كانت ثقافية كأندية الكتاب أو خيرية أو حقوقية أو حتى جمعيات الهواة في مجالات الحياة المختلفة.
فالإنترنت قدم لنا رؤية أوضح ومجالا مفتوحا لسماع كل وجهات النظر من مختلف الأطراف، وتحليل القضايا الداخلية والخارجية، بمصادر معلومات تتفاوت درجات صحتها، ونقاشا مفتوحا مع المصادر وشرائح المجتمع، فلم تعد مصادر المعلومات كما في الماضي محصورة على صحف ورقية تحمل كتابات منتقاة وتمثل طيفا واحدا ورأيا واحدا، ومساحات الحوار فيها شحيحة، بل وحتى على صعيد الأخبار الدولية، نجد ضعفا كبيرا في تغطية قضايا الشأن الدولي في صحفنا وإعلامنا القديم، أما عن طريق الإنترنت فكنت أقرأ عن بوادر الأزمة بين أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من خمس سنين ومسلسل الصراع على الغاز، وكان إعلامنا لا ينقل ما يحدث وإن نقله فتغطيته ضعيفة جدا وخجولة.
اما عن التواصل فأصبح من الممكن الوصول لأعداد كبيرة من الناس ونشر بودكاست أو مقطع فيديو أو فكرة أو مقال بلمس شاشة الجوال فقط، لينتشر بسرعة كبيرة عند كل من نال استحسانهم إلى معارفهم وجهات اتصالهم، حتى إننا نرى سيطرة الواتساب مثلا وشعبية استخدامه العالية أكثر من الرسائل النصية القصيرة ذات التكلفة الباهظة، ولم ينته ما قدمه الإنترنت لنا عند هذه النقطة، فأصبح بإمكاننا التواصل مع الكثير من المسؤولين وصناع القرار على حساباتهم الموثقة على الشبكات الاجتماعية وطرح أي وجهة نظر وأي نقد وأي فكرة دون أي عائق، ومن أوائل من استخدم هذه التقنيات معالي الوزير خالد التويجري رئيس الديوان الملكي، ومعالي الوزير عبدالعزيز خوجة وزير الإعلام، عبر صفحاتهما وحساباتهما في الفيس بوك أولا، ثم على تويتر. وباستعراض حسابات معالي الوزراء نستطيع رؤية مطالب الناس وتفاعل أصحاب المعالي معهم بطريقة لم تكن موجودة في السابق، وسهولة التحقق من الإشاعات ومعرفة الصواب من الخطأ، حيث إن الانترنت قدم لنا الكثير من الشفافية.
لم تنته قصة تأثير الإنترنت في التواصل على المجتمع السعودي عند هذه النقطة وحسب، بل حتى مع الوزارات والدوائر الحكومية، فبدأت تحاول الانتقال إلى الحكومة الإلكترونية، فنرى مشاريع البوابات الإلكترونية عند الوزارات كبوابة وزارة الداخلية، ونظام ابشر، وبوابة وزارة الإسكان، وغيرها من الوزارات، حيث أصبح بإمكان الفرد معرفة متطلبات معاملته قبل أن يقدمها وشروطها من الانترنت، وبإمكانه تقديم طلباته وهو جالس في مكانه، ومتابعة المعاملات وحالتها أولا بأول، وتحديث البيانات بشكل دوري كما في نظام حافز بسهولة. ومع أن هذا التحرك ما زال بطيئا نسبيا، إلا أنه وكما يبدو بدأ يصبح توجها أساسيا لدى معظم الوزارات. ومن أهم تأثيرات الإنترنت على مجتمعنا السعودي، هو خلق عوالم إفتراضية تناسب توجهات وأحلام كل شخص منا، وأبسط مثال على ذلك أن نرى الفتاة المراهقة التي لا تغادر بيت أهلها والتي من المفترض أنها لن تخرج عن ثقافتهم نتيجة عدم احتكاكها بأي ثقافة أخرى، نجد أن الإنترنت وفر لها بيئات خصبة تجد نفسها فيها وبكل سهولة، فتشاهد المسلسلات الأمريكية أو التركية، أو تصادق فتيات من مختلف مناطق المملكة أو خارجها وتتعرف على أفكارهن وطبائعهن، بل وبإمكانها متابعة التغيرات الفكرية التي طرأت على زميلاتها في المرحلة الابتدائية وتتأثر بتغيرهن وتتبنى مواقف على هذا التغير، وهذا التأثير وإن كان منظره مزعجا لدى البعض عند النساء، إلا أنه تأثير أكبر وأقوى عند الرجال، حيث إن اهتمامات الرجل تختلف عن اهتمامات المرأة، والمواضيع التي يهتم بها الرجل عادة تحمل جانبا عنيفا أو خشنا، كالرياضة والأخبار وقضايا المجتمع والسياسة وغيرها.
وقفة أخيرة مع منهجية حجب المواقع والتي بدأت تتضاعف بطريقة كبيرة في السنوات الأخيرة في دول العالم، متناسين أنها حلول موقتة في السيطرة على الانترنت، فجدار الحماية العظيم الذي تستخدمه الصين من أجل الحد من حرية شعبها من استخدام الإنترنت ليس حلا مثاليا ولا طويل الأجل، والقيادات العظيمة تستطيع توجيه شعوبها لاستخدام الإنترنت بعيدا عن حجب معظم الصفحات التي فيه. وهنالك ضرورة عالية لخلق الوعي، وتثقيف المجتمع في كيفية التعامل مع الشائعات، وعدم تصديق كل ما تقع عليه عينه في كل مرة ينظر إلى هاتفه المحمول، وتمرير كل ما يأتيه بلمسة من أصبعه إلى مئات الناس، ورفع الوعي مسؤولية فردية على الجميع المشاركة فيها من أجل غد أفضل.
ماذا فعل بنا الإنترنت؟
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
