للإعلام رسالة سامية وأهداف إنسانية واجتماعية نبيلة تسعى إلى نشر الوعي والثقافة، إلا أنه متى ما حاد عن هذا الخط، فإنه ينذر بخطر عظيم سيترك آثارا مدمرة سيصعب تلافيها أو معالجتها، والإعلام في حقيقته يعني خدمة كبقية الخدمات الأخرى كالصحة والتعليم لها مقوماتها وتنظيمها ولها قوانينها ومتطلباتها، والإعلام بات صناعة مهمة على خارطة الحياة البشرية، ولأنه كذلك فمن الطبيعي أن يناله التحديث والتطوير، وقد استطاع من خلال وسائله ووسائطه وتقنياته الحديثة أن يحطم كل القيود، وأن يتخطى كل الحدود والحواجز، وفي ظل تطور الإعلام وما تشهده المجتمعات من تحولات تقنية هائلة ظهر ما يسمى بالإعلام الجديد وظهرت معه بعض السلوكيات الخارجة عن حدود اللباقة بل إنها تعدت كل ما هو منطقي حتى إننا أصبحنا نعيش حالة من الفوضى أفرزت انفلاتا ملحوظا في السلوك العام لدى كثير من الناس، إذ لم يعد يفرق أولئك بين حريتهم في فعل ما يشاؤون وبين حقوق الآخرين وضرورة احترامها.
وفي ظل هذا الخلط الواضح بين ممارسة الحرية وحقوق الآخرين يكمن الخطأ وتكون العلة؛ فالحرية في مفهومها العام تعني أن للإنسان أن يفعل ما يشاء بشرط أن لا يكون في فعله ضرر بالغير، والحرية بهذا المفهوم تختلف عن الحرية الشخصية والتي عرفها الدكتور محمد زكي أبو عامر بأنها (مركز يتمتع به الفرد ويمكن له بمقتضاه اقتضاء منع السلطة من التعرض لبعض نواحي نشاطاته الأساسية أو الأصلية التي تتوقف حياته اليومية على تأمينها) ومن هذا التعريف يتبين لنا أن الحرية الشخصية حرم مقدس لا يجوز لأحد أن يدخل إليه أو يعتدي عليه حتى وإن كانت السلطة إلا بإذن من صاحبه أو بناء على نص شرعي أو قانوني يبيح ذلك.
فالحماية التي تتمتع بها الحرية الشخصية للأفراد في مواجهة السلطات العامة تتأكد بشكل أكبر في علاقة الأفراد فيما بينهم فلا يجوز لأحد أن يعتدي على أحد أو أن ينتهك خصوصيته بأي وسيلة كانت وتحت أي ذريعة كانت. وهذا المبدأ هو ما أكدته دساتير الدول كافة ومنها بطبيعة الحال النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية في عدد من مواده، وكذلك ما تضمنه نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية من عقوبات تراوحت بين السجن لكل من يعتدي على الحريات الخاصة.
إلا أن سوء الفهم لدى كثير من الناس لتلك النصوص وقلة الوعي القانوني أفرزا حالة الانفلات التي باتت واقعا معيشا في مجتمعنا، ولعل ما حدث في الأيام القليلة الماضية من تداول لأكثر المقاطع المسجلة بشاعة يؤكد ما أقول إذ لاحظ كل من شاهد هذا المقطع الصورة السلبية المؤلمة التي تمثلت في اشتغال المارة بتوثيق الحادث دون أن يكون لأحد منهم أي دور يذكر في محاولة إنقاذ الضحية أو مساعدته على الخلاص من الجاني، هذه الصورة مع الأسف الشديد ألقت بظلالها على ما يمكن أن تتعامل به السلطات مع هذا الجاني، إذ يظن أبناء الجالية الهندية (كما سمعت ذلك من أحدهم) أن الجاني سيفلت من العقاب وذلك قياسا منهم على سلوك الشارع في تعامله مع الحدث إذ اكتفوا بالفرجة والتوثيق فقط.
هذه حالة من حالات عدة أظهرها الإعلام الجديد وهي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الإعلام الجديد، بوسائله ووسائطه وتقنياته المختلفة كالفيس بوك وتويتر والواتس آب والكيك وغيرها، قلب الطاولة على كل المفاهيم والمصطلحات وغير كثيرا من الآليات والأساليب الإعلامية التقليدية، وأسس لشرعنة الفوضى، وتلك هي الخطورة في الإعلام الجديد.
وختاما فإن المحافظة على النسيج الاجتماعي من أن يُعبث به تقتضي نشر الوعي والثقافة القانونية بين شرائح المجتمع، وبيان الفرق بين الحرية في فعل الشيء والمسؤولية عن فعله، وما هو الحد الفاصل بين حرية الفرد وحقوق الآخرين، فكل حق لك يقابله واجب عليك وكل واجب عليك يقابله حق لك.
الإعلام الجديد وشرعنة الفوضى
بخيت آل غباش3 دقائق للقراءة

حجم الخط
