حي السفارات الذي يقع غرب الرياض يعد الحي النموذجي الوحيد في عاصمة المملكة، وكان إنشاؤه يهدف لجمع السفارات والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية في مكان واحد، لا سيما بعد انتقال وزارة الخارجية للعاصمة منتصف السبعينات. هذا الحي لا يتميز فقط بالتصميم العمراني الفريد، بل يظهر كمنطقة متقدمة متفتحة اجتماعياً تُمارس فيها الطقوس الطبيعية للحياة والفعاليات الثقافية والترفيهية، ويشعر سكانها بالأمان الحقيقي. والسؤال الذي يجب أن يطرح، لماذا لا نرى تلك المظاهر الحضارية في أي حي آخر؟ ولماذا لا يتمتع بهذه المزايا سوى أولئك الذين يقيمون فترة ثم يغادرون وطننا، في حين لا يجد أبناء البلد الذين يقطنون باقي أنحاء الرياض أي متنفس للحياة؟
حين أتحدث عن ممارسة الطقوس الطبيعية للحياة، فأنا أتحدث عن الفعاليات الترفيهية وعن الحرية المنضبطة الموجودة في شوارع حي السفارات، لا أحد يجرؤ على التحرش بالنساء اللاتي يمارسن الرياضة أو يتمشين في جنبات الحي، ولا أحد يجرؤ كذلك على ملاحقتهن ويأمرهن بفظاظة بالاحتشام! لا أحد أصلاً يخاف من المجرمين واللصوص والعابثين والمفحطين، فالدوريات تسهر هناك لحماية سكان الحي. لا سرقات، ولا اعتداء، ولا قتل، ولا (أبو ملعقة) يتسكع بلا حسيب ولا رقيب! أمن حقيقي على الأرواح والممتلكات.
ورغم أنه حي قديم، إلا أن المناظر الجمالية والتشجير الرائع المنتشرين في كافة أنحائه يضفيان روحاً للحي، والتنظيم المروري هناك مميز وانسيابي، بالرغم من عدم وجود أية إشارة مرورية داخل الحي! وفوق ذلك، فتصميم الشوارع والميادين جاء بطريقة مميزة وسهلة توفر الشوارع الفسيحة والميادين الجميلة والحدائق والساحات الواسعة التي تسمح بممارسة الرياضات المختلفة.
لماذا لا شيء من ذلك في بقية أحياء الرياض، المدينة الاسمنتية الذكورية الخالية من الروح والتي لا شيء فيها سوى المقاهي التي لا تدخلها النساء، والأسواق التي لا يدخلها الشباب، والمحلات التي قد تضطر للإقفال باكراً، والاستراحات المترامية على أطراف المدينة والتي تغص بألف حكاية وحكاية.
يا سادة يا كرام، الشباب هنا، وهم بالمناسبة يمثلون أكثر من ثلثي المواطنين، كل ما يريدون أن يجدوه في مدينتهم هو المتنفس، يريدون فعاليات ترفيهية مستمرة، يريدون سينما تغنيهم عن أفلام النت و(التورنت)، يريدون مسارح حقيقية، يريدون فعاليات ثقافية، حفلات فنية، يا أخي يريدون داراً للأوبرا، ما المشكلة؟ مناسبات لا (تعكنن) عليهم فيها الهيئة ولا يصرخ فيها المحتسبون. بل المؤسف أنه حتى عندما قام بعض الشباب بمحاولة للمرح من خلال مبادرة لطيفة تتم في كل أنحاء العالم وتسمى (الأحضان المجانية) تم منعهم وملاحقتهم وكأنهم ارتكبوا إحدى الموبقات السبع!
أما النساء - المسكينات - فلا يُردن من مدينتهن أكثر من بعض الهواء النقي، أن يتنفسن في الشارع ثم لا ترتد عليهن أنفاسهن! يُردن ما تمارسه تلك المرأة في حي السفارات من حرية منضبطة وبسيطة وقوانين تمنع التحرش بها وملاحقتها تحت أية ذريعة، فهي ليست ملك يمين، بل مواطنة من الدرجة الأولى مستقلة بنفسها وليس لأحدٍ أمر عليها ولا نهي مادامت لا تخالف الشرع!
الاحتياط الزائد ومنع الأمور المختلف عليها، هو ما حوّل مدننا إلى مناطق خاوية من الروح، وهو ما جعل ٤٠٠ ألف مواطن - أغلبهم عوائل - يهربون خارج الوطن في إجازة الربيع الفائتة، فقط ليمارسوا أموراً طبيعية كمشاركة الأصدقاء والعائلة الألعاب والفعاليات الترفيهية المتنوعة ومشاهدة السينما وحضور الحفلات والمسارح وغير ذلك من النشاطات الجاذبة للسياح.
يا سادة يا كرام، لا نريد من الرياض أن تكون مثل باريس، ولا نيو يورك، فقط نريد أن تكون كل أحيائها مثل حي السفارات، وألا نكون كالشجرة العوجاء التي تثمر للآخرين ولا يجد أبناؤها شيئاً منها، هل هذا كثير؟
شجرتنا العوجاء في حي السفارات!
سامي المالكي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
