التحاور مع الآخر في نظر الإسلام ليس بدعة ولا وليد ظرف معين، فليس له خاصيّة مكان أو زمان، ولا يكون مجرد نتيجة لحادث يطرأ أو يتوقف على هوى في النفس أو استجابة لأغراض مصلحية ذاتية تخدم أهدافاً لأحزاب معينة أو طوائف محددة.
كما أن الثابت أن التحاور مع الآخر أياً كان ليس فيه من حيث المبدأ ما يعارض نصاً أو يخالف إجماعاً، هذه ثوابت لا أعتقد هناك من يعارضها أو يختلف حولها إلا من لا يدرك حقيقة الإسلام ومضامينه ومبادئه وأصوله، فالإسلام دين التحاور ودين الإقناع ودين التسامح، فهو يدعو إلى التحاور والجدال بالحسنى والإقناع المبني على الحجة القوية، لأنه يملك ناصية ومقومات ذلك كله، ففي مضامينه قوة الإقناع وأدوات التحاور ويقوم على أسس متينة لا يخشى معها الانهزام أو التقهقر أمام كل القوى في كل العصور لأن في نصوصه ومقاصده ومبادئه المحجة البيضاء والأدلة الدامغة، فهو تشريع رباني وكفى.
والذين يرون أسبقيتهم للدعوة للتحاور مع الآخر ويرون أنهم يسبغون على الإسلام صفة جديدة أو يضيفون إليه أسلوبا حديثا هم يعيشون في وهَمٍ كبير، ويحتاجون إلى تصحيح مفاهيمهم وإعادة ترتيب أفكارهم، لئلا يدخلوا في حوار وهم يعتنقون هذا الفكر، فيشوهون منهج التحاور الإسلامي، ثم ينكصون على أعقابهم خاسرين دون أن يحققوا خطوة واحدة إلى الأمام للإسلام مع الطرف الآخر، لأنهم بذلك يحاورون بدون عدة ويواجهون الطرف الآخر بدون عتاد ويقفون على أرض هشة.
التحاور مع الآخر منهج إسلامي عُرِفَ وأرسيت مبادئه وقواعده منذ الأيام الأولى في الدعوة المحمدية الخالدة، واستمر منهجاً ومبدأ وأصلاً معروفاً سارت عليه الأمة من بعد نبيها المختار صلى الله عليه وسلم، وفق منهج واضح وهدف محدد وإطار سليم لا يخضع لأي معايير دنيوية هشة. قال الله عز وجل:[ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.] ففي هذه الآية تظهر بوضوح الدعوة إلى التحاور مع الآخر بل يستبين بجلاء كيفية الطرق والأساليب والآداب التي يمكن اتباعها وهو طريقة الحسنى التي لاعوج فيها ولا خلل. وقال الله تعالى:[اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى.] وقد قال الله تعالى:[وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.] فالله سبحانه وتعالى نهى عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالرفق واللين والحسنى ليتمكن المتحاور من إبداء وجهة نظره وبيان حجته في هدوء تام، لأن الهدف هو إيضاح الفكرة وبيان المنهج ما لم يظهر من هؤلاء ظلم واعتداء فإن ذلك يوجب حينئذ معارضتهم بقوة الحجة الدامغة والطريقة المناسبة التي تدمغهم وتلجم محدثيهم. وبطريقة تبرز عظمة الإسلام وقوته وشموخه على كل دين سواه، وأنه شامخ دائما يعلو ولا يعلي عليه.
هناك أمر لا بد من التأكيد عليه وهو أن التحاور مع الآخر حين يكون في ظل الإسلام ومبادئه فإنه يجب أن يكون هدفه تحقيق مقصد شرعي لا عوج فيه ولا أمت، كما أن أي نتيجة لا تكون إضافة لصالح الطرف الإسلامي فإنها نتيجة مرفوضة، فمعيار قبول نتائج التحاور والأخذ بها، يرتكز على مدى اتفاقها مع الأسس الشرعية فمتى خالفت النصوص فإنه يجب ردها وتركها وعدم الاتفاق عليها. ولهذا يجب أن يكون الحوار مع الآخر من هذا المنطلق، ذلك أن القبول بالذلة أو الأمور المخالفة للشريعة أو السكوت عن النيل من القيم والثوابت والأخلاق يكون خروجاً على نصوص الشريعة.
فلا يجوز أن تكون مجرد دعوى التقارب والتعايش وحدها هدفا وغرضا للمتحاورين، فمجرد حصول الحوار وعقد الندوات ليس بكافٍ وحده، كما أن الحوار الضعيف والهزيل الذي يؤدي إلى التخلي عن أصول ومبادئ شرعية هو حوار مرفوض. لقول الله تعالى : [فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ.]
فالثابت أن التحاور يكون لبيان المبادئ والأحكام التي ينطلق منها نهجنا في الحياة وندعو الآخر إليها لأن فيها الرحمة والهداية والخير للفرد والمجتمع والأمة بأسرها، وحين يقوم التحاور على منهج سليم ولغاية محمودة، ومن منطلق أساس إيماني قوي وعلى سبيل حسن النوايا وخلو الضمائر من الغلِّ والحقد على الآخر فإن النتائج ستصُب في صالح الإسلام وأهله بل سترتقي بمصلحة العالم كله، لأن الحق في الإسلام واليقين مع أهله. أما القول إن التحاور يكون على هدى من التعاون غير المتحفظ ولا المشروط والتواصل المندفع بدون حدود أو قيود فإن عاقبة ذلك ستكون وخيمة على الأجيال القادمة لأنها ستبدأ من حيث انتهينا، فالنهاية الهشة الرخوة لا بد أن تذوب فيها المبادئ وتميع والمقاصد تتيه وتضيع.
إن أي حوار فكري مع الآخر لا يحتاج إلى استنباط حكم مشروعيته أو تقرير حكمه ولكنه يحتاج إلى اختيار السبل وتحديد الأطر وحسن اختيار المتحاورين الذين يسعون إلى ترسيخ مفاهيم الإسلام ومبادئه، وإيضاح الوجه المشرق في المنهج الإٍسلامي، وأن يتم استبعاد أهل الأهواء الذين يفقون في طريق الإفراط أو التفريط فهؤلاء يشوهون العلاقة بين الإسلام والآخر بأساليب مغلوطة، مثل هؤلاء الذين يدعون الإصلاح بالسعي إلى الذوبان في الحضارة الحديثة دون مراعاة للجوانب الأخلاقية والمبادئ الإسلامية فهؤلاء أشد خطراً من الأعداء لأنهم يسعون إلى أغراضهم وأهدافهم تحت مسميات إسلامية وبذرائع تبدو في ظاهرها الحسن وفي باطنها السم الزؤام والخطر العظيم. وأيضاً استبعاد أولئك الذين لا يرون أن للآخر حق الحوار مع المسلمين لأنهم لن يضيفوا في حوارهم ما يفيد الإسلام والمسلمين.
التحاور مع الآخر بين الثبات على المبادئ والذوبان
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
