في العرف القانوني، يكتسب النظام هيبته من روح النظام نفسه بغض النظر عن الجهة المصدرة، وعندما يكون واضحاً، وخاليا من الاستثناءات، ولا تحتمل مواده ونصوصه أكثر من تفسير، إلى جانب تطبيقه على الجميع دون مواربة أو محاباة، يكون بذلك النظام قادراً على حماية نفسه، ومحل احترام وتقدير ومظلة يؤوي إليها الجميع، ويحتكم إليه عند الخلاف والاختلاف.
ويجمع القانونيون والمحللون والنقاد في مختلف بقاع الأرض على اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية والقانونية على أن هذه الصفات كفيلة بإلباس النظام أو القانون جلباب الاحترام والهيبة، وأن تكون سلطته فوق سلطة الأشخاص بغض النظر عمن يكون هذا الشخص أو منصبه ومكانته، لكن التراتبية القانونية أو النظامية أعادت ترتيب الأولويات بما يخالف المعايير الدولية دون اعتبار للمسؤولية القانونية وما تهدف إليه هذه الأنظمة، حيث منحت الأشخاص ومسمياتهم ومناصبهم وانتماءاتهم أولوية متقدمة وسلطة أعلى من الأنظمة والقوانين، وفي بعض الحالات، منحت هؤلاء أولوية خاصة على الجهات التشريعية المصدرة للنظام، حيث يحل هؤلاء الأشخاص محل النظام والقانون.
منح الاعتبارات الشخصية أفضلية خاصة في سلم التراتبية القانونية ليس وحده من أفقد الأنظمة هيبتها، وكسر شوكة احترامها، فهناك عوامل أخرى، لا تقل سوءا عنها، جعلت الأنظمة أضعف ما تكون، وغير قادرة على حماية نفسها، فكيف بحماية الآخرين وحقوقهم، هذه العوامل منها ما يعود إلى النظام نفسه، ومنها ما يعود إلى الجهة المشرعة للنظام، أو الجهة المنفذة له، وجميع هذه الأطراف تعمل في خندق واحد، منها يكتسب النظام هيبته، ومنها يفقد النظام احترامه.
وبمراجعة بسيطة لبعض الأنظمة المعمول بها في المملكة، نجد أن بعضها دخل مرحلة خريف العمر، إن لم يكن بلغ سن الشيخوخة، حيث بقيت بعض الأنظمة 30 عاماً أو يزيد دون تحديث أو تطوير، وأصبحت لا تتوافق مع معطيات العصر، حتى وإن مرت بها عملية التحديث فطول الإجراءات التي تمر بها، وتعدد الجهات الحكومية التي تمارس فيها البيروقراطية الإدارية، وتداخل الاختصاصات والمصالح التي تطيل أمد الدراسة، فيصبح النظام عند صدوره متقادما دون فائدة وجدوى، ويحتاج إلى تحديث آخر، ومعركة أخرى.
كما أن كثرة الاستثناءات جعلت الأنظمة غير قادرة على تجاوزها والتغلب عليها، ولعبت هي الأخرى دوراً مفصلياً مع سبق الإصرار والترصد في اختراق هيبة النظام واحترامه، وتركت المجال للواسطة والمحسوبيات للولوج من خلالها، مما ساعد وساهم في شيوع كل ما هو مخالف، علاوة على أن بعض الأنظمة ولدت غير مكتملة النمو (مشوهة) تعاني من خلل ونقص كبير في مضامينها، كونها لم تأخذ حقها في الدراسة والتدقيق، أو تعاني من انتقائية في التطبيق، فلم تحقق الهدف الذي أصدرت من أجله.
واختراق هيبة الأنظمة واحترامها - متى ما أصبح شائعاً - يعد نذير سوء يمتد أثره إلى كل مفاصل الحياة في البلاد، كونه يسهم في انتشار الفساد المالي والإداري، ومن ثم تنتشر الرشوة والمحسوبية والواسطة، واستغلال النفوذ التي يتجاوز تأثيرها إلى تعطيل الاقتصاد والتنمية، وتقويض كل أساسيات التنافس الشريف في الفرص الوظيفية والمشاريع الحكومية وغير الحكومية، ولاسيما أن تقرير الأمم المتحدة (2012) يشير إلى أن انتشار الواسطة والمحسوبية وضعف البيئة التنظيمية والتشريعية وفقدان المنافسة العادلة في الدول العربية بما فيها السعودية أسهمت في انخفاض معدل النمو الاقتصادي.
وإعادة هيبة النظام واحترامه ليست بالشيء المستحيل أو الصعب، تحتاج فقط إلى الرغبة والإرادة الصادقة، وإعادة رسم السياسات بما يضمن تكامل الأدوار بين جميع الجهات المعنية بصياغة وتنفيذ الأنظمة من جهات تشريعية أو تنفيذية، إلى جانب المجتمع بكافة طوائفه، بما يضمن سرعة إعادة الهيبة لها من خلال جعل سلطتها فوق سلطة الأشخاص بغض النظر عمن يكون هذا الشخص، وإعادة صياغة كثير من الأنظمة بما يسهم في تقليص الاستثناءات التي ساهمت في انتقائية التطبيق، وتقليص إجراءات تحديث وإصدار الأنظمة وربط دارستها بفترة زمنية محددة، إلى جانب استخدام الحزم والقوة في التطبيق ومحاسبة المقصر، وتقدير جهود الموظف والمسؤول المخلص، مما يعزز الالتزام بهذه الأنظمة.
كيف نعيد للأنظمة هيبتها المفقودة؟
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
