الأحزاب السنية تحمل الوزر الأكبر في وصول الشيعة إلى الحكم في العراق، لو تعاملت مع الواقع الجديد والمعطيات السياسية التي أفرزها سقوط النظام البائد بعد 2003 بعقلية سياسية متفتحة، وشاركت في العملية السياسية وأخذ زمام المبادرة في بناء المجتمع العراقي على أساس المبادئ الديموقراطية وأحكام الدستور، لما آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن، واتجهت لصالح الأحزاب الشيعية التي استطاعت بدهاء إقصاء الشركاء السياسيين ومن ضمنهم الأحزاب السنية، واحتكار السلطة وبسط سيطرتها على كامل مؤسسات الدولة.
ارتكبت هذه الأحزاب السنية خطأين استراتيجيين فادحين؛ أولهما: أنها رفضت الواقع السياسي المتغير الجديد جملة وتفصيلا، ووقفت ضده بشدة في محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء..وطبعا هذا مستحيل.
وعندما كانت القوى السنية منشغلة بالتصدي للاحتلال الأمريكي وطرد القوات الغازية والجهاد والمقاومة الوطنية والشعبية وتهيئة الرأي العام السني العراقي ضده، كان الشيعة يزحفون باتجاه السلطة والتحكم في مفاصلها بهدوء ولكن بثبات وعزيمة، وفي غضون فترة قصيرة استطاعوا أن يشكلوا قوات أمنية كبيرة من جيش وشرطة بلغ تعدادها مليون شخص، هذه القوة أصبحت فيما بعد أداة لضرب المعارضة في المحافظات السنية، وسحق اعتصاماتهم واستئصال شأفتهم. وقد تتجه هذه القوة النظامية الطائفية بعد التخلص من المقاومة السنية إلى مجابهة قوات إقليم كردستان، العقبة الكأداء الأخيرة الأصعب أمام تشكيل دولتهم الطائفية.
طالب الشيعة منذ أول يوم من تغيير النظام في العراق، بمنصب رئيس الوزراء، بدعوة باطلة بأنهم يمثلون الأغلبية السكانية في البلاد، مع أن إحصاء واحدا لم يجر في العراق منذ 2003، وقبل إجراء الانتخابين البرلمانيين (2005 و2010) لمعرفة عدد سكان العراق، معتمدين على المقاعد البرلمانية، رغم أن القائمة العراقية السنية حصلت في انتخابات عام (2010) على 91 مقعدا في البرلمان، بينما حصل ائتلاف دولة القانون الشيعي بزعامة «نوري المالكي» على 89 مقعدا فقط، ومع ذلك أصروا على الحصول على رئاسة الوزراء لأنهم الأكثرية، وحصلوا عليها في أكبر خدعة انطلت على الأحزاب والكتل السنية ومن ضمنها الأكراد، وأصبح المنصب منذ ذلك الحين حكرا لهم، يستعملونه لمصلحتهم كيفما شاؤوا ولا أحد يجرؤ على المطالبة به ولو امتلك كل مقاعد البرلمان.
طبعا هذه التطورات السياسية الخطيرة في العراق، لم تكن تحدث لو أن الأحزاب السنية شاركت في العملية السياسية الجارية ولم تأخذ مواقف معادية للوضع السياسي الجديد.
والخطأ الثاني الفادح الذي ارتكبته القوى السنية الإسلامية والقومية ضمن أخطائها الكثيرة التي ما زالت الشعوب العراقية تدفع ثمنها، أنها أظهرت عداوة عنيفة للكرد والأحزاب الكردية، وخاصة؛ الحزب الإسلامي المحسوب على الإخوان المسلمين بزعامة نائب رئيس الجمهورية المتهم بالإرهاب «طارق الهاشمي»، والكل شاهد كيف انسحبت غالبية نواب القائمة العراقية السنية في قاعة البرلمان احتجاجا على انتخاب «جلال طالباني» رئيسا للعراق عام 2010 لكونه من المكون الكردي.
وما زالت تلك الأحزاب السنية على مختلف تنوعها الفكري والأيديولوجي تنظر إلى الأكراد كعدو أول للعراق، يجب الوقوف بوجه مشاريعهم القومية المشروعة، رغم أن «المالكي» يشن حملة عسكرية ضارية ضد المدن السنية، ومن المفترض سياسيا وعقائديا أن يتجه المكونان السنيان العربي والكردي إلى التحالف فيما بينهما للوقوف بوجه عدوهما المشترك، ولكن التعصب العنصري العربي المتوارث حال دون حدوث ذلك، وعلى الرغم من إيواء الإقليم وقادته الكثير من زعماء السنة الهاربين من بطش وقمع «المالكي»، مثل «طارق الهاشمي» وغيره من قادة الاعتصامات السنية في محافظة «الأنبار» ..
انظر إلى أحدهم وهو نائب سابق عن عرب الوسط السنة «مشعان الجبوري» يستهل برنامجه الانتخابي الجديد بدعوة العراقيين إلى «تحرير العراق من الاحتلال الكردي» ويقول إن «أولى أولياته تحرير العراق من بقايا الاحتلال الأمريكي وهم الأكراد».. هذه هي العقلية السائدة في الوسط السني السياسي بالعراق.
كان من الممكن أن يميل ميزان القوى في العراق لصالح المكون السني العربي والكردي، لو اتفق الطرفان على استراتيجية موحدة لمجابهة أطماع «المالكي» التوسعية، ولكن الحقد العنصري الأعمى الذي أظهره العرب السنة تجاه الأكراد، وسعيهم للنيل من مكتسباتهم القومية المشروعة، دفع الأكراد إلى مساندة الأحزاب الشيعية في تولي الحكم، على أمل أن يتحقق شيء لقضيتهم، ولكن كانوا خاطئين، ولم يأخذوا منها حقا ولا باطلا، كما خسر العرب السنة من قبل عندما قاطعوا الانتخابات وناصبوا الأكراد العداء، والوحيد الذي ربح كل شيء ولم يخسر شيئا هو؛ الأحزاب الشيعية.