حين تتحرك المملكة العربية السعودية يتأنى الجميع ويترقب ثم ينطلق في الاتجاه نفسه، جماعة الإخوان المسلمين التي صنفت تنظيما إرهابيا، لم تخش أي دولة ولو كانت في حجم أمريكا والصين وروسيا، مثلما تخشى السعودية، لأسباب عدة منها أن كل الدول تعمل لها ألف حساب لأنها تتمتع بمصداقية ورؤية ثاقبة في قراراتها الحكيمة، وكذلك لأنها تمتلك مفاتيح المنطقة وطبيعتها الجيو-سياسية وثقافتها لا يمتلكها غيرها.
فما إن حركت السعودية وترا حساسا – يخشاه الغرب ويستخدمه، يؤلمه ويتعايش معه وهو اعتبار جماعة الإخوان المسلمين “جماعة إرهابية”، حتى انطلقت القرارات الغربية “المكتومة” من عقالها وكأنها كانت تتحين هذه اللحظة، أو قل تنتظر رأي الدولة الكبرى عربيا وإسلاميا، التي تشكل المركز في دائرة العلاقات الدولية.
لكن يبدو أن الجماعة الإرهابية ليست سوى أحد رؤوس الحراب في صراع أكبر واستراتيجية عالمية أخطر في الألفية الثالثة، وتوشك السعودية أن تكون العامل الحاسم في هذا الصراع وتلك الاستراتيجية ريثما نكتشف حجم الدور الذي تقوم به الآن وحساب المكاسب والخسائر المتوقعة في المستقبل، ولنبدأ من “النهاية”.
ورطة بريطانيا
قبل أيام أعلنت السلطات البريطانية ورئيس الوزراء ديفيد كاميرون، “إجراء مراجعة لفلسفة وأنشطة جماعة الإخوان المسلمين بشكل عام وتأثيرها على الأمن القومي البريطاني والسياسة الخارجية بما يشمل العلاقات المهمة مع دول في الشرق الأوسط”.
وفي المقابل، صعدت جماعة الإخوان التي شعرت بجدية الموقف وخطورته، بقولها: إن أي محاولة غير مناسبة لتقييد أنشطتنا التي تعمل بشكل قانوني في المملكة المتحدة، ستدفعنا للجوء إلى المحكمة البريطانية.
وأفردت صحيفة الإندبندنت صفحاتها لهذا الموضوع – الذي نال أعلى نسبة من القراءة في العالم - قائلة: إن بريطانيا تدخل حقل الألغام إذا بدأت التحقيق حول صلة الإخوان بالإرهاب، لأن مخابراتها ظلت على اتصال بالجماعة وهو ما يورطها أيضا.
وقدم رئيس الوزراء السابق توني بلير، صاحب أطول مدة في تولي رئاسة حكومة لحزب العمال في بريطانيا عبر فوزه بثلاثة انتخابات متعاقبة قبل أن يتنحى في 2007، تعليقا حمل هذه العبارة البليغة التي تعد مفتاح سر كل ما حدث ويحدث: لا توجد قضية أكثر إلحاحا الآن، من هذه القضية، فهناك خطر حقيقي أن يحل الصراع الديني محل الصراعات الإيديولوجية التي شهدها القرن الماضي وبأشكال لا تقل تدميرا.
فرط الإرهاب: الحروب الجديدة
هل كان الغرب ينتظر قرار السعودية؟ من يطالع الصحف المهمة في أوروبا وأمريكا يجيب بـ”نعم”، فقد حانت اللحظة بعد أن اكتوى الجميع باللعبة الخطرة في العلاقات الدولية وهي توظيف الإرهاب! ففي 2002 صدر كتاب بعنوان “فرط الإرهاب: الحرب الجديدة”، من تحرير البروفيسور فرانسوا هايزبور وبمشاركة مجموعة من الباحثين الفرنسيين في مؤسسة البحث الاستراتيجي في باريس، وتمحورت أبحاثه حول هذا السؤال الجوهري:هل نشهد الآن حربا دينية كحرب الثلاثين عاما التي شهدتها أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت “1618 - 1648”، أم أننا نشهد حربا طويلة الأمد، لها ائتلاف دولي متغير متعدد وذو مستويات تضامنية مختلفة؟وهل يكون للحرب الحالية تأثير على النظام العالمي كما كان شأن حرب الثلاثين سنة التي قادت إلى نظام وست فاليا 1648 القائم على الدولة القومية ذات السيادة؟ أهم النتائج التي خلصت إليها الأبحاث هي:
1- 11 سبتمبر 2001 يعد “وثبة نوعية وكمية” من حيث الأهمية والتنظيم والتزامن واللوجستية ووقع الانفجارات تجعل بالإمكان الحديث عن “أعمال حرب”، فما حدث يعد من بين العمليات العسكرية البارزة التي نفذت منذ عشرات السنين، التي ستكون بأية حال ذات أهمية تاريخية في التاريخ الإستراتيجي العالمي، إنها قطيعة استراتيجية مهمة.
2- الولايات المتحدة استهدفت من الداخل ليس من قبل دولة ما، بل من تنظيم غامض المعالم، وللمرة الأولى في التاريخ تتمكن منظمة “وليست دولة” من أن تتبوأ مكانة على نفس مستوى التدمير الذي تتمتع به أية دولة ذات سيادة، وهذه النقلة النوعية تجعل قضايا الصراع والتهديد تطرح بطريقة غير معهودة.
لماذا بريطانيا وليس غيرها؟
بريطانيا هي مركز التنظيم العالمي للجماعة الإرهابية في أوروبا والعالم، حيث تعيش قياداتها بحرية كاملة – لا توجد اتفاقات قانونية دولية تسمح بتسليمهم - ويدار منها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ناهيك بأنها تملك مقرا رئيسا ومجموعة من الوسائل الإعلامية: موقع “الإخوان المسلمين” و”إسلام أون لاين” و”ميدل إيست مونيتور”، وأحد فروع “المنظمة العربية لحقوق الإنسان”، فضلا عن مراكز المال والبنوك.
والأهم من ذلك، هو أنها البلد الذي تسمح قوانين اللجوء “السياسي، الديني” فيه بقبول مزيد من أعضاء هذه الجماعة، وهو ما تقوم به سفارة قطر في بريطانيا الآن عبر محامين دوليين لتسهيل هذه المهمة، حيث ستصبح بريطانيا خلال أشهر قلائل أكبر مأوى للجماعات الإرهابية في العالم!وهي قضية أمنية كبرى نبه إليها توني بلير وحذر منها، بقوله في مقاله “التعليم بوصفه قضية أمنية”: لن يتسنى لنا الفوز بالصراع الجديد في القرن الحادي والعشرين، إلا إذا حاربنا أسبابه الجذرية وكذلك عواقبه المروعة.
واليوم، في قوس يمتد من الشرق الأقصى عبر الشرق الأوسط إلى شوارع ومدن في أوروبا والولايات المتحدة، نواجه آفة حصدت أرواح الأبرياء وشوهت المجتمعات، وزعزعت استقرار الكثير من البلدان، وهو تهديد يتطور وينمو باستمرار ويتمحور في مواجهة كفاحنا ضده.
ويعمل المتطرفون الذين ينشرون هذا العنف من خلال شبكات قادرة على الوصول إلى الشباب وتعرف قوة التعليم، سواء الرسمي أو غير الرسمي.
ويعبئ المتطرفون العقول الشابة باعتقاد مفاده أن كل من يخالفهم في الرأي عدو ــ وليس مجرد عدو، بل عدو الله.
والأمر لا يتعلق بالتطرف الإسلامي فحسب، بل هناك أعمال تطرف ترتكب ضد مسلمين بسبب دينهم، واليوم هناك متعصبون مسيحيون ويهود وهندوس وبوذيون يشوهون الطبيعة الحقيقية لعقيدتهم الإيمانية، ولهذا السبب فإن التعليم في القرن الحادي والعشرين يشكل قضية أمنية بالنسبة لنا جميعا.
وانطلاقا من كلام بلير، تبرز الأسئلة الآتية: هل وجدت بريطانيا وأوروبا ضالتهما في القرارات الحكيمة للعاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، بعد عناء الانتظار الطويل؟ وهل رفع العاهل السعودي الحرج عن الدول الغربية التي تخشي غضب أمريكا؟
الإرهاب الغربي
حذر كتاب “ذهنية الإرهاب.. لماذا يقاتلون بموتهم”؟ الذي صدر في 2003، من الحرب على العراق بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، من خلال شهادات لمجموعة من الفلاسفة والنقاد الأوروبيين أمثال جان بودريار، وأمبرتو إيكو، وجاك دريدا، وإد فوليامي، وجان لوكاريه، حول ما يتم تعريفه باعتباره إرهابا.
أهم ما يطرحه هو أن كل استراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، وإنه انتصار فعلي ذاك الذي حققه الإرهاب بإغراقه الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر، فشبح الإرهاب يرغم الغرب على إرهاب نفسه.
يفسر الفيلسوف جان بودريار الفعل الإرهابي وما يترتب عليه في قراءته لأحداث 11 سبتمبر قائلا: نحن “الغرب” الذين أردنا هذه الأحداث وإن ارتكبها “هم”، وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو حادثة محضة نفذها بضعة متعصبين يمكن القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والمشكلة هي أننا نعلم جيدا أن الأمر ليس كذلك.
والحدث برأي بودريار، يتعدى بكثير مجرد الحقد على قوة عالمية مسيطرة، فمن المنطق أن يؤجج تفاقم القوة الرغبة في تدميرها، وأن تكون شريكة في تدميرها الخاص.
فالنظام العالمي هو الذي أنشأ الشروط الموضوعية لهذا الرد العنيف المباغت، وباستئثاره على كل الأوراق فإنه يرغم الآخر علي تغيير قواعد اللعبة، فهو رعب مقابل رعب، ولم يعد هناك أي بعد أيديولوجي، فقد أصبحنا بعيدين عن كل أيديولوجيا وسياسة.
هكذا خرج العالم عن قواعد اللعبة الدولية المتعارف عليها منذ معاهدة وست فاليا 1648، ليس فقط مع نهاية الحرب الباردة وظهور المنظمات العابرة للقارات والقوميات، إنما أيضا نتيجة لظهور “جيل جديد من الإرهابيين”، وظهور مفهوم جديد للحرب.
الدين بديلا للإيديولوجيا
من يرصد أهم المفاهيم المعرفية التي روجت في نهايات القرن العشرين، سيجد انتشارا غير مسبوق لمفهوم “النهايات”: نهاية التاريخ، نهاية الأيديولوجيا، نهاية الفلسفة، نهاية الدين.. إلخ، بالتزامن مع مفهوم آخر لازمه كظله هو مفهوم “الصراع” بكل تجلياته وتلويناته: صدام الحضارات وصراع الهويات وحروب الأديان.
لكن مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين ثبت “تهافت” المفهومين معا: لم تحدث “نهاية التاريخ” كما تنبأ بها هيجل بوجود الدولة الليبرالية، ولم تتحقق كما تكهن بها ماركس بظهور المجتمع الشيوعي، ناهيك بأن مفهوم “نهاية الدين” كذبته حركة الأحداث على غير من صعيد:
1- في الاتحاد السوفيتي السابق، كان من المتصور أن الشيوعية قد انغرست إلى أمد طويل بعد استقرارها لأكثر من سبعة عقود، وأن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي لم يعد سوى أثرا بعد عين، لكنه وقبل أن ينتهي القرن العشرين كانت الشيوعية قد سقطت كطعم يابس، وأخذ الحكام الروس الجدد يرتادون الكنائس من جديد، وكما لاحظ المفكر اللبناني أمين معلوف في كتابه “اختلال العالم” فإن ما فعله سوكارنو في إندونيسيا، حيث جمع مفردات القومية والإسلام والشيوعية، وهو ما يعرف باللغة المحلية “مبدأ نازاكوم”، هذا الدمج التعسفي ما هو إلا لصق مصطنع ما لبث أن تفكك، فالقومية لم تنجح في أي مكان من العالم الإسلامي في استيعاب الدين ولكن الدين استوعبها لاحقا.
2- في ظل اتجاه الفرد نحو العولمة والعالمية تم - في نفس اللحظةويا للمفارقة - اتجاهه الشديد نحو تحديد الهوية والشخصية، كرد فعل من ناحية وكإعادة اكتشاف للدين على أنه مستودع لهوية مهددة من ناحية ثانية.
ففي نهاية القرن العشرين، شعر الأفراد والشعوب التي اجتثت جذورها - أو كادت - ولم تعد تجد في “الدولة القومية” إطارا لا ينازع للأمن والهوية، أنه لم يعد بمقدورهما الاستثمار في “الأيديولوجيات العلمانية”، أو الإيمان بأنها مصدر أساسي للتضامن والحماية في مواجهة تلاطم أمواج العولمة.
3- ما إن حرك الإرهاب في 11 سبتمبر 2001 وترا دينيا في صميم المجتمع العلماني، حتى امتلأت المعابد والكنائس والمساجد بالمصلين، وهذا التوافق الدفين لم يبحث بعد بما فيه الكفاية، حتى الآن.
مفاتيح الحل الإسلامي في قيرغيزستان
تظهر الرياض اهتماما متزايدا بقيرغيزستان التي زارها عدد من المسؤولين السعوديين، مما جعل رئيس وزارة خارجية قيرغيزستان إيرلان أبديلديف يقول: نشهد اليوم مرحلة جديدة من التعاون بين قيرغيزستان والمملكة العربية السعودية، وتنمية هذا التعاون بين البلدين ستسهم في الارتقاء بالمصالح الشاملة لشعبينا وبلدينا.
وبحسب تقرير لإذاعة روسيا، فالتعاون بين البلدين في الوقت الحاضر، لا يزال في مهده.
ومع ذلك، قد يظهر قريبا مركز سعودي للخدمات اللوجستية في مطار ماناس.
بالرغم من ذلك، حتى وإن تم تنفيذ هذا المشروع، فمن المبكر جدا أن نقول إن تطور العلاقات مع بيشكك أصبح أولوية للسعوديين، بحسب الخبير في آسيا الوسطى أركادي دبنوف.
ويضيف: نعم، من الأسهل الاستقرار في قيرغزستان، هكذا يقولون، بما أن البلاد منفتحة للتأثير الخارجي، هو بلد فقير ويحتاج إلى التمويل الخارجي.
بالتأكيد ذلك يساعد الرياض في متابعة سياستها، بالإضافة إلى ذلك، هناك تشابه أكيد بين الرياض وبيشكك والسبب أن شاريبوف، أخ الناطق الحالي في البرلمان القيرغيزستاني، هو سفير قيرغيزستان في المملكة العربية السعودية، وهو يحاول شخصيا تعزيز العلاقات بين البلدين، على الأرجح هو الضغط السياسي الوحيد لمصالح الرياض في قيرغيزستان.
ويتابع: واقع الحال أن المملكة العربية السعودية تمتلك زعامة العالم الإسلامي، والذي يحمل كثيرا من الأسماء في قيرغيزستان: الإسلام السلفي، الأصولي، العربي، الوهابي، ومشكلة الإسلام في قيرغيزستان – بنسختيه التقليدية وغير التقليدية – عصيبة لحد ما، وأكثر من نصف المجتمع قلق من أن الإسلام غير التقليدي سيستبدل ببطء التقليدي.
والأكثر من ذلك، الأشخاص الأصغر سنا منجذبون إلى هذا الإسلام غير التقليدي.
قيرغيزستان ليست الجمهورية ما بعد السوفيتية الوحيدة التي واجهت مشكلة مشابهة.
ويقول الخبراء إن التطرف هو تحد لكل البلاد التي تمتلك حصة كبيرة من السكان المسلمين.
ومع ذلك، فإن هذه الظاهرة لديها تفاصيلها الخاصة في المنطقة السابقة للاتحاد السوفيتي، إذ بدأ الإسلام غير التقليدي باختراقها في وقت قريب نسبيا وفي ظروف الفقر وانعدام فهم حالة المذهب، بدأ في اكتساب الشعبية سريعا.
نتيجة لذلك، الداعمون اليوم للإسلام غير التقليدي متثاقلون وليس فقط مع هؤلاء الذين التزموا بأشكال الدين المألوفة في المنطقة، بل أيضا مع السلطات.
أكثر العناصر تطرفا تنضم إلى رتبة أولئك الذين يسمون بالجهاديين ويقاتلون لجعل خليفة في كلٍ من وطنهم وفي الخارج.

