كان الشارع خالياً من المارة والسيارات كعادته كل صباح يوم جمعة عندما انعطف عبدالله بسيارته يساراً وفوجئ بسيارة أخرى تقطع الإشارة مسرعة فتقتل أخويه ويبقى هو ميتا دماغياً على سرير مستشفى بلله دمع أمه الذي لا ينقطع، في نهاية ذلك اليوم كانت حصيلة قتلى الحوادث المرورية في مدن المملكة عشرين قتيلاً، كأي يومٍ آخر.

خلال العقدين الماضيين فاق عدد ضحايا حوادث السيارات في السعودية 86 ألف شخص وهو ما يتجاوز أضعاف عددهم في حربي الخليج، ففي عام 2011 فقط ودعنا أكثر من سبعة آلاف ومئة أب وأم وأخ وأخت وصديق في حوادث متفرقة، كما رقد على السرير الأبيض أكثر من ثلاثين ألف مصاب منهم من لن يعود ثانية إلى حضن أسرته.

السرعة وعدم التركيز في القيادة للانشغال بمكالمة هاتفية أو إرسال رسالة نصية أو بسبب النعاس أو الإرهاق، كلها تجعل حدوث الاصطدام حتمياً، كما أن التخاذل في ربط حزام الأمان يضاعف احتمال الإصابات القوية والمميتة، الطرق السريعة التي أصبحت بدورها حلبة سباق لسائقي الشاحنات الذين يسابقون الزمن لتسليم منقولاتهم تعتبر عاملاً مهماً في الحوادث علماً أن سائق الشاحنة لا يستطيع رؤية منطقة كبيرة يمين شاحنته تسمى عادة المنطقة العمياء.

في عام 1988 بدأت 29 دولة من دول العالم برنامجا بحثيا لإحصاء الحوادث وأسبابها وقياس سرعة إنقاذ المصابين بأيدي مدربة (برنامج IRTAD) وساعد ذلك على معرفة العوامل الحقيقية للحوادث ومتابعتها مما أدى إلى انخفاض الوفيات بشكل كبير، كانت إحدى هذه الدول بريطانيا والتي سجلت عام 2012 أقل وفيات حوادث في تاريخها ( 1754 فقط).

لا بد من إيقاف هذا النزيف المتواصل، فالسائق المتهور لن يرتدع ببرنامج توعوي إذا لم يصاحب هذا البرنامج عقاب صارم يجعل منه عبرة لغيره، وينطبق ذلك على قاطع الإشارة الحمراء، وعاكس الاتجاه.

كما أن دراسة المواقع التي تتكرر فيها الحوادث قد يكشف عن أسباب من الممكن إصلاحها بسهولة. لا يزال عبدالله يرقد بلا حراك على السرير الأبيض كمئات الأبناء، ولا تزال نظرات أمه تحتضنه وتبكي أخويه، كان الله في عون أم عبدالله وأبي عبدالله. وفي عون كل أم وأب فجعوا بدماء أبنائهم وهي تروي الاسفلت.