قال لي: بماذا يتحدث الناس في (تويتر)؟ قلت: يتحدثون عن أقوام ذهبوا إلى وزارة التعليم العالي للاحتجاج على ابتعاث البنات إلى خارج المملكة! قال: وكيف كانت آراء الناس في هذا الأمر؟ قلت: تتفاوت رؤاهم حول ذلك، منهم المؤيد بلطف، أو الرافض بعنف.
اعتدل في جلسته ببطء من أدركه الزمن، ثم قال: أو لم تكفهم مطالباتهم قبل عقود بإيقاف تعليم المرأة في الداخل؟ ماذا لو أن بناتنا ونساءنا لم ينلن حقهن من التعليم حتى الآن! قل لي: كيف سيكون حالنا؟ هل وصل بهم الطموح حدّ تعطيل نصف المجتمع؟ انظر إلى ذلك الكتاب المهمّ الذي ألفه عبدالله الوشميّ بعنوان «فتنة القول بتعليم البنات في المملكة العربيّة السعوديّة»، حيث يناقش فيه التفاصيل الكاملة لما حدث بين الممانعين والداعمين لتعليم البنات، ويتضمن الكتاب وثائق مهمّة أبرزها ذلك «النطق الملكيّ الكريم» الذي يؤكد على بدء انطلاقة تعليم البنات، وإيقاف ذلك المدّ الذي كان يتوسل إلى منع إنشاء مدارس البنات، ولا سيما في مدينة بريدة، كان هذا الأمر البوابة الأولى لبدء إنشاء المدارس منذ ربيع الثاني 1379هـ، إن أهمية الكتاب تتجلّى في كونه وثق لتلك المرحلة التاريخية المهمّة، فتضمن الكتاب أحداثًا وقراءة للأحداث من المؤلف واختتم بوثائق نادرة تتضمن جلّ ما كتب في هذه القضيّة.
قلت: إنهم مصابون بالرعب من فكرة ابتعاث امرأة، ألا تعلم أن (فوبيا) الفساد تقلق كل غيور على وطنه؟ قال لي مبتسمًا: وأين المحرم؟ أليس وضع المرأة هنا وهناك متشابهًا بوجوده؟ فمن أراد الفساد رجلًا أو امرأة هنا أو هناك بحث عنه. قلت: ربما يسهل الوصول إليه في الخارج! قال: ومن أخبرهم أن العالم من حولنا فساد متسع، ومنكر عام، الفرق يتحقق في كونهم يحاولون أن يفقدوا الثقة من بناتنا، وهذا ما يصنع للمرأة شخصية مهتزة لا متماسكة، إن ابتعاث الطالبة يعادل ابتعاث طالبين في تكلفته، وأضاف: ألا يعلم هؤلاء أن ابتعاثهن بهذه التكلفة علامة على حرص الدولة على تعليمهن كالطلاب المبتعثين؟ من يطالب بإلغاء ابتعاث الطالبات أراه نتيجة سلبيّة لكونه لم يكن، في يوم ما، مبتعثًا، فلو كان من أولئك المبتعثين الذين عانوا مرارة الغربة لأعوام لعرف أن الابتعاث إلى بلاد غربية أو شرقية ليس ترفًا أو تسلية، ولكنه جهد مضاعف يتحمله المبتعثون منذ اللحظة الأولى من التفكير في الابتعاث حتى العودة، ويدفعون ثمنه غاليًا، وليس لهم هدف سوى العلم والرغبة في خدمة وطنهم، وتتحمل المبتعثة ما هو أكثر من ذلك في سبيل تحقيق غايتها، ولذلك فإن الحديث عن إيقاف ابتعاثهن من ذوي الفكر الأُحادي ظلم لأنفسهم وللآخرين، وعود بنا إلى مشارف تلك المرحلة السابقة، وبعد مرور هذه الحقبة الزمنية الطويلة نأمل أن لا يأتي اليوم الذي يوثّق فيه أحد المؤلفين من أحفادنا فتنة القول بابتعاث البنات إلى خارج السعودية.