يهول المتأمل حجم ما يُعلن عنه من فساد إداري أو مالي، أو عنهما معاً في أجهزة خدمية كثيرة، ويهوله أكثر المستوى المتدني لبعض المشاريع القائمة ونصف القائمة، وما يعتريها من نقائص أو اختلال في بنيتها. والحال ذاته ينسحب على الخدمات اليومية التي تؤديها عدد من المؤسسات والأجهزة الإدارية التي يقوم عليها ويسيّرها مسؤولون باختلاف درجاتهم واختصاصاتهم اعتادوا منذ نعومة أظفارهم إلى خشونتها، ومنذ طفولتهم إلى مراحل أخرى متقدمة جداً بعدها، سماع المواعظ والآيات والأحاديث، والخطب الداعية إلى خشية الله وتقواه؛ فيما أوكل إليهم من أمر الناس والوطن من مسؤوليات، وما حمِّلوا إياه من أمانات، وما في رقابهم من حقوق وواجبات. وقد نكون بدعاً من بلاد العالم أجمع، الذين في كل مؤسسة من مؤسساتنا قسم للشؤون الدينية، ونحن من أكثر بلاد العالم تداولاً ونشراً للكتيبات إياها، ومساجدنا لا غيرها من مساجد العالم لا تعدم أسبوعياً من الخطب غير خطب الجمعة، تدعو إلى أمر من أمور الدين، أو تحث على واجب من واجباته. كما أن جدران مدارسنا لا تخلو بدورها من حكم ومواعظ وأمثال وجوامع كلم تحث وتدعو إلى الفضائل ذاتها. كما أن لدينا بفضل الله جوائز لا تحصى للتنافس على حفظ القرآن الكريم، والحديث الشريف، ناهيك عن مدارس تحفيظ القرآن الكريم، والبرامج الإعلامية التلفزيونية، والإذاعية والصحافية الدينية. كما أننا نصدِّر الدعاة والوعاظ إلى العالم ليهدي الله بهم من شاء من عباده. كل هذا الخطاب بمده وامتداده وزخمه ومظاهره العصية على الحصر والأهداف العظيمة التي تحرك القائمين عليه؛ لم تخفف من وطأة مدٍّ آخر، يهول ويفجع، من مثل ما تكشف الصحف اليومية وبعض البرامج التلفزيونية عن حجمه من مظاهر الفساد الإداري والمالي وتدني في مستوى الخدمات في أجهزة ومؤسسات بمراكزها وفروعها ومنتجاتها. فهل انطوى ذلك الخطاب على ما يزرع قيم العدل والإخلاص ويقظة الضمير ومسؤولية الأمانة؟ وهل انطوى على ما ينمِّي في النفوس النزاهة والصدق والإيمان والمسؤولية؟ وهل تراكم على إيلاء جانب العمل والمعاملات حظها من التركيز والاهتمام؟ وتنبه إلى ضرورتها؟ وهل أسس فضيلة الاقتداء بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام والصالحين من الصحابة والتابعين والأئمة والمسئولين المخلصين؟ لمْ تتعاظم أو تتكثف المناشط الدينية -في نموذجها ذلك الخطاب- بهذا الكم؛ حتى في عهد النبوة الأول، حيث كان (الدين معاملة) حقاً، وكان سلوكاً وتعاملاً وتعايشاً والتزاماً، ومعادلة كفة الاشتغال في أمور الحياة الدنيوية، بكفة الانشغال بأمور الدين، والصدق والإخلاص ومراقبة الله فيهما معاً. فما بال كل هذا المد في الخطاب الديني وفق مظاهره وتجلياته الكمية التي أشرنا إليها، تتجه بنا إلى السؤال الكبير -سؤال النوع- عن نتائجها؟ ولكي تكون موضوعيين، فلسنا نسأل عن غياب السلوك المثالي الخالص من أية شائبة؛ ولكن أن يبلغ نقيضه مبلغاً لا مناص من التوقف لديه وسؤال ماذا أنتج، وإلى ماذا وصل؟ ألوف مؤلفه من المستمعين والحفَّاظ، ومن الذين تتلى عليهم الآيات والمواعظ في كل حين، ومن الذين لا يَسألون إلا عن ماذا سيكسبون؟ وقد مات الضمير، أو تعطل، أو أُوقفت خدماته. مسؤولون من مستويات متعددة، وفي مواقع مختلفة أُوكلت إليهم أمور الناس، وأنيطت بهم خدمتهم، فإذا بالبعض منهم يقومون بها بلا وازع من أمانة، أو إخلاص ومسؤولية. وإذا بهم أشد حرصاً على الانتهاز والاستغفال على حساب من ينتظرون منهم خدمة أو إنجازاً أو تنمية. مما يقتضي تدوير السؤال: هل أغفل ذلك الخطاب جانب المعاملات، والأمانة، والمسؤوليات، وحقوق الناس، وراح يركز ويتمحض حول العبادات والنوافل وفضائل الأعمال والقربات، التي هي محض المسؤولية الفردية للإنسان، وحسابه على الله؟. ألم يراعِ الخطاب، أو يتنبه، إلى تأصيل أمر المعاملات وتبعاتها وفروعها وإلزاماتها ومقتضياتها؟ ألم يسترعه غصص يتجرعها الناس في كل مكان من سوء أداء الإدارات الصغرى والوسطى وما فوقها، وبطانتها من التنفيذيين والإجرائيين والمخططين والمتابعين والمراقبين، الذين باتت أخبار منجزاتهم السيئة وعواقب أدائهم غير الأمين تحاصرنا في كل مكان وكل اتجاه؟ هل الخلل فيهم، أم فينا، أم في بنية الخطاب ومضامينه واهتماماته، أم في فهمنا لقضية الدين والتدين وجوهرهما، ومناط المسؤولية فيهما، ومقتضياتهما وركائزهما من العدل والأمانة والإخلاص في العمل؟
سؤال الواقع والخطاب
محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
