مهما تعددت وتنوعت تعريفات (الانتحار Suicide) فكلها تؤدي إلى مفهوم ونتيجة واحدة؛ هي تعمد الشخص إنهاء حياته. تشير الدراسات العلمية إلى أنّ 35% من حالات الانتحار تعود لأمراض نفسية كالاكتئاب والفصام والإدمان، ولكن 65% من حالات الانتحار ترجع لعوامل عضوية وثقافية واجتماعية من مشكلات أسرية أو عاطفية أو فشل دراسي أو ضغوط مجتمعية أو اعتقادات دينية. في المنظور النفسي يرى (فرويد) أن الانتحار هو عدوان تجاه الداخل، وأن له ثلاثة أبعاد هي: الرغبة في القتل ثم الرغبة في الموت ثم الرغبة في أن يتم قتله، أما في المنظور العضوي فهناك من يؤكد علاقة الدور الوراثي وعلاقة نقص هرمون (السيروتونين)، أما في المنظور الاجتماعي فإن (دور كايم) يفسر الانتحار على أنه نتيجة تكسير الروابط الاجتماعية والعزلة والضغوط الناتجة عن الفقر والبطالة، ويشير (إريك فورم) لدور ضعف الضمير وعدم القدرة على التكيّف مع المجتمع من حيث الصراع بين الداخل والخارج. وكان عالم الرياضيات المشهور (فيثاغورس) يعارض الانتحار لاعتبارات حسابية! وليس من مبدأ أخلاقي أو ديني، حيث يرى أن هناك رقماً نهائياً واحداً لعدد الأرواح في العالم، وأن هذا الرحيل المفاجئ لإحدى الأرواح يؤثر على هذا التوازن الدقيق. أمّا (أرسطو) فيرى أن الانتحار يسلب المجتمع الخدمات التي يقدمها أحد أفراده. و(أفلاطون) يعتقد أن جسد الإنسان ملك للآلهة وأي إيذاء له يعتبر انتهاكا مباشرا للقانون الإلهي. في روما القديمة لم يكن الانتحار جريمة ولكن من كان يريد قتل نفسه فإنه يتقدم بطلب إلى مجلس الشيوخ وإن اقتنعوا بأسباب الانتحار فإنهم يقدمون له (نبات الشوكران السام) مجانا. وكان الانتحار لديهم محرما على المتهمين بجرائم كبرى عقوبتها الإعدام، كما كان محرما على الجنود والعبيد. (الكاثوليك) يعتقدون أن روح المنتحر ستعاقب في الآخرة ولا يدفنون جثته في مقابرهم العامة. أما قبيلة (الازهانتي) في أفريقيا فتعمد إلى تقطيع جثة المنتحر وترميها للتماسيح. أما جماعة (الباهاريس) في الهند فتعتقد أن روح المنتحر لا تستطيع دخول الجنة لأنها تظل عالقة بين السماء والأرض إلى الأبد. وجماعة (الأوماها) في الأمازون تعتقد أن روح المنتحر تتلاشى من الوجود لهذا تعجز عن الظهور في الجنة. وفي (شمال أوروبا) يعد الانتحار من الأسباب الخمسة الأولى للوفاة رغم حياة الحرية والترف. كما ينتحر أفراد (الكامشدال) في سيبيريا بسبب اعتقادهم أن حياة الآخرة أسعد بكثير من حياة الدنيا. أما (الثقافة اليابانية) فتحث على الانتحار عند الهزيمة وعدم القدرة على أداء الواجب، بل لليابانيين طقس مقدس للانتحار (يدعى الهاراكيري)، حيث يجلس الضحية على ركبتيه ويمسك بيديه سيفاً خاصاً يغرسه أسفل بطنه ثم يرتفع به إلى زاوية الرئتين، ويظل على هذه الوضعية حتى يموت. والانتحار يقل كثيراً في المجتمعات الإسلامية وأيضا لدى شعب (الياهكان) في جزر الهادي وجماعات جزر أندمان وسكان أستراليا الوسطى والغربية، والعجيب أن جماعة (الزوني) في المكسيك لا يوجد في ثقافتهم شيء يدعى انتحار.

[email protected]